سقوط «أوينو» يهز باراغواي... الودائع مجمّدة والرئيس تحت ضغط العزل
لم يكن استيقاظ ملايين الباراغوايانيين على تعذر الوصول إلى حساباتهم المصرفية مجرد عطل تقني في تطبيق مصرفي، بل كان بداية انكشاف أزمة مالية داخل أحد أكبر المصارف الرقمية في البلاد.
ففي غضون ساعات، تحوَّلت مؤسسة كان يعتمد عليها نحو 3 ملايين عميل، وتدير مئات الملايين من الدولارات من الأموال العامة، إلى مصرف خاضع لإجراءات التسوية تحت إشراف البنك المركزي، بينما بات مصير أموال المودعين محور قلق واسع ومواجهة سياسية وصلت إلى المطالبة بعزل الرئيس سانتياغو بينيا.
وبدأت الأزمة تتضح مع تدخُّل البنك المركزي في مصرف «أوينو» في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، بعدما خلصت مراجعاته إلى أن نسبة الملاءة المالية للمصرف هبطت إلى أقل من نصف الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. وجاء هذا التراجع بعد تعديلات أُدخلت على البيانات المالية للمصرف خلال عملية تصحيح أوضاعه، مما كشف عن فجوة رأسمالية أكبر مما كان مسجلاً في السابق.
لكن السؤال الذي يفسر حجم الأزمة لا يتعلق فقط بتراجع رأس المال، بل بكيفية وصول المصرف إلى هذه المرحلة. فقد كانت السلطات الرقابية قد رصدت مخالفات ومؤشرات مقلقة في طريقة إدارته للقروض، بينها تمويل شركات مرتبطة بالمجموعة المالكة، بما أثار مخاوف من استخدام موارد المصرف في تمويل مصالح المساهمين وشركاتهم. كما برزت تساؤلات بشأن حجم الأموال العامة التي أودعتها مؤسسات حكومية لدى المصرف، ومدى الالتزام بالضوابط التي تنظم تركّز الودائع والتسهيلات الائتمانية.
ومع استمرار مراجعة الأوضاع المالية، تراجعت مؤشرات الملاءة إلى مستويات لم تعد تسمح للمصرف بالاستمرار وفق المتطلبات الرقابية. لذلك قرر مجلس إدارة البنك المركزي، بالإجماع في الثاني من نوفمبر، وضع البنك المركزي مصرف «أوينو» تحت إدارته الرقابية المباشرة، متولياً السيطرة على عملياته وأصوله والتزاماته، في إجراء لا يعني انتقال ملكية المصرف إلى الدولة، بل إخضاعه لإدارة استثنائية تمهيداً لتسوية أوضاعه وحماية المودعين. وأدَّى القرار إلى وقف خدمات المصرف وتعليق وصول العملاء إلى حساباتهم، بينما بدأت السلطات حصر الأصول والديون وتحديد آلية التعامل مع الودائع. وبذلك انتقل «أوينو» من مؤسسة مالية خاصة إلى مصرف تديره السلطات الرقابية خلال مرحلة التسوية، في واحدة من أبرز عمليات التدخل المصرفي التي شهدتها البلاد.
أين ذهبت أموال المودعين؟
لم يعلن البنك المركزي اختفاء الودائع، لكن تدخله أدَّى إلى وقف عمليات المصرف وتعليق خدماته، بما فيها الوصول إلى الحسابات عبر التطبيقات والبطاقات والتحويلات، إلى حين حصر الأصول والالتزامات وتحديد آلية إعادة الأموال. وبذلك وجد نحو 3 ملايين عميل أنفسهم عاجزين عن استخدام أرصدتهم، رغم أن تجميد الحسابات لا يعني بالضرورة خسارة الأموال أو ضياعها.
وتكمن المشكلة في أن المصرف لم يعد قادراً على الوفاء بالتزاماته وفق متطلبات الملاءة والسيولة، بينما يتعين على السلطات الآن تحديد قيمة الأصول القابلة للاسترداد، ومقارنتها بحجم الودائع والديون المستحقة. ومن هنا جاء قرار إخضاعه لإجراءات التسوية، بدلاً من تركه يواصل العمل في ظل اختلالات مالية قد تزيد الخسائر.
وبموجب نظام ضمان الودائع في باراغواي، تتمتع أموال العملاء بتغطية تصل إلى 228.3 مليون غواراني، أي ما يعادل نحو 38 ألف دولار لكل مودع لدى المصرف، وليس لكل حساب على حدة. وتشير تقديرات إلى أن هذه التغطية تشمل نحو 97 في المائة من المودعين. أما الأرصدة التي تتجاوز هذا السقف، فلا يزال استردادها مرتبطاً بما ستسفر عنه عملية حصر أصول المصرف وتصفية التزاماته.
ولم تكن التداعيات محصورة في حسابات الأفراد؛ إذ كان «أوينو» يدير ما بين 800 و850 مليون دولار من الأموال العامة، بينها أموال مرتبطة بصندوق التقاعد والصحة الحكومي. وهذا الحجم من الارتباطات جعل الأزمة أكثر حساسية، إذ لم يعد الأمر متعلقاً بمودعين أفراد فحسب، بل امتد إلى أموال مؤسسات عامة ومدخرات تقاعدية.
وفي محاولة لاحتواء القلق، تحركت السلطات لتسريع صرف الأموال المشمولة بالضمان، بينما أمرت الجهات القضائية بتجميد أصول مرتبطة بالمصرف ومسؤوليه، وصدرت مذكرات توقيف بحق عدد من المديرين التنفيذيين، بينهم رئيس المصرف، على خلفية التحقيقات في المخالفات المشتبه بها. كما شهدت البلاد ازدحاماً أمام فروع «أوينو»، مع توجه العملاء لمعرفة مصير مدخراتهم، وانتقال بعضهم إلى مصارف أخرى، مما تسبب في اضطرابات مؤقتة في تطبيقات مؤسسات مالية منافسة.
من أزمة مصرفية إلى مواجهة سياسية
غير أن الأزمة اكتسبت بعداً سياسياً أكبر بسبب علاقة الرئيس بينيا السابقة بالمجموعة المالكة للمصرف. فقد كان مساهماً في «مجموعة فاسكيز»، التي تسيطر على «أوينو»، قبل أن يبيع حصته في مارس (آذار) 2025. كما أثار تعيين كارلوس كارفالو، الرئيس السابق لمؤسسة «أوينو» المالية، على رأس البنك المركزي تساؤلات بشأن استقلالية الرقابة وتضارب المصالح، خصوصاً بعد أن اضطر إلى الاستقالة مع تفجر الأزمة، بناء على طلب الرئيس.
وتقول المعارضة إن هذه الصلات تثير شبهة تضارب المصالح، وتطرح أسئلة بشأن تركّز أموال مؤسسات عامة في المصرف، وكيفية تعامل السلطات مع التحذيرات السابقة بشأن عملياته. كما تتهم الحكومة بسوء إدارة أموال التقاعد والتستر على جوانب من الأزمة، وهي اتهامات لم تُحسم قضائياً، لكنها شكلت أساساً للتحرك السياسي ضد الرئيس.
وفي الرابع من نوفمبر، قدَّم 35 نائباً طلباً لبدء إجراءات العزل، مطالبين بعقد جلسة استثنائية لمناقشة الاتهامات الموجهة إلى بينيا. ولم تتوقف الخطوة عند الرئيس، إذ شملت أيضاً نائب الرئيس بيدرو أليانا، وفق ما أُعلن في البرلمان.
ويحتاج تمرير اتهام العزل إلى موافقة 53 نائباً على الأقل من أصل 80 في مجلس النواب، قبل إحالته إلى مجلس الشيوخ، حيث يتطلب إقرار الإدانة 30 صوتاً من أصل 45. ولا تملك المعارضة بمفردها هذه الأغلبية، بينما يحتفظ الحزب الحاكم «كولورادو» بالأغلبية في المجلسين، وإن كانت مشاركة بعض النواب المنشقين عن الحزب في التحرك قد أظهرت أن الأزمة بدأت تتجاوز حدود المعارضة التقليدية.
وسعى بينيا إلى احتواء التداعيات، داعياً القيادات السياسية إلى إعطاء الأولوية لمصالح المودعين، ومؤكداً أن المسؤولين عن أي مخالفات سيواجهون المساءلة من دون استثناء. كما تمثلت إحدى أولى النتائج السياسية المباشرة للأزمة في استقالة رئيس البنك المركزي، الذي سبق أن تولى منصباً قيادياً في المؤسسة المالية المرتبطة بالقضية.
اختبار للقطاع المالي وسمعة البلاد
وتتجاوز خطورة ما حدث في «أوينو» مصير المصرف نفسه، إذ تضع الأزمة الثقة في الرقابة المصرفية في باراغواي أمام اختبار صعب. فالمؤسسة التي وصلت إلى ملايين العملاء، وأصبحت قناة لإدارة أموال عامة، لم تتوقف عن العمل بسبب تعثر عابر، بل بعد اكتشاف فجوة في الملاءة المالية هبطت بها إلى أقل من نصف الحد القانوني.
ويزيد من حساسية الأزمة أن باراغواي تسعى إلى تعزيز جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية، ولا سيما القادمة من البرازيل. ومن شأن تعثُّر مصرف بهذا الحجم، وما رافقه من اتهامات تتعلق بالحوكمة والرقابة والعلاقات بين المسؤولين والمساهمين، أن يثير تساؤلات لدى المستثمرين بشأن مدى قدرة المؤسسات على حماية الأموال العامة والخاصة، والتعامل مع المخالفات قبل أن تتحوَّل إلى أزمة واسعة.
وهكذا، لم تعد قضية «أوينو» مجرد سؤال عن مصير ودائع ملايين العملاء، أو عن قدرة البنك المركزي على إعادة الأموال إلى أصحابها؛ بل أصبحت اختباراً لشفافية النظام المالي في باراغواي، وللمساءلة السياسية عن القرارات التي سمحت بتراكم المخاطر. وبينما ينتظر المودعون معرفة ما يمكنهم استرداده، يواجه الرئيس بينيا تداعيات أزمة باتت تلاحق إدارته وتضع علاقته السابقة بالمصرف تحت المجهر.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira