طرد داومان يعمّق صدمة آرسنال... هل بالغ أرتيتا في توبيخ موهبته الشابة؟
وجد ماكس داومان، موهبة آرسنال البالغ من العمر 16 عاماً، نفسه أمام أول اختبار حقيقي في مسيرته الاحترافية القصيرة، بعدما تحول من لاعب اعتاد خطف الأضواء بمهاراته الاستثنائية إلى محور جدل واسع، إثر طرده خلال الهزيمة المفاجئة لفريقه أمام فليتوود تاون بركلات الترجيح، في دور الـ16 من كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة.
وبحسب شبكة «بي بي سي»، فإن الجدل لم يتوقف عند البطاقة الحمراء التي تلقاها اللاعب الشاب، بل امتد إلى الطريقة الغاضبة التي تعامل بها المدرب الإسباني ميكيل أرتيتا معه أثناء مغادرته أرض الملعب، مما أثار تساؤلات بشأن مدى ملاءمة هذا التصرف تجاه لاعب لم يتجاوز السادسة عشرة.
وكان داومان قد سجل هدفين في انتصار آرسنال على إيبسويتش تاون في الدور السابق من كأس الرابطة، ليكافئه أرتيتا بمنحه فرصة المشاركة أساسياً للمرة الثانية هذا الموسم، في مواجهة بدت مناسبة لتعزيز خبراته، خصوصاً مع معاناة الفريق من نقص الخيارات الهجومية على الأطراف بسبب إصابة بوكايو ساكا وكريستوس تزوليس ونوني مادويكي.
لكن المباراة اتخذت مساراً مختلفاً تماماً عما توقعه آرسنال، حامل لقب الدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما وجد نفسه متأخراً أمام منافس يقل عنه بـ84 مركزاً في هرم كرة القدم الإنجليزية، رغم استحواذه على الكرة بنسبة 78 في المائة وتسديده 26 كرة على مرمى أصحاب الأرض.
وانتهى الوقت الأصلي بالتعادل 1-1، قبل أن ينجح فليتوود في حسم المواجهة بركلات الترجيح، مستفيداً من طرد داومان الذي ترك فريقه بعشرة لاعبين.
وجاءت البطاقة الحمراء بعدما تعرض الجناح الشاب لتدخل قوي من هاريسون نيل، ليرد بحركة بقدمه باتجاه منافسه، ورغم أنه لم يوجه ركلة مكتملة، فإن تصرفه منح الحكم مايكل سالزبري سبباً لاتخاذ قرار الطرد.
ولم تكن تلك الحادثة الأولى للاعب خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، إذ سبق أن تعرض للطرد أثناء مشاركته مع منتخب إنجلترا تحت 19 عاماً خلال فترة التوقف الدولي الأخيرة، ليصبح الطرد أمام فليتوود الثاني له خلال شهر واحد، والأول في مسيرته مع الفريق الأول لآرسنال.
لكن المشهد الذي أثار الجدل الأكبر كان رد فعل أرتيتا، الذي وجه نظرة حادة إلى داومان أثناء مغادرته الملعب، قبل أن يخاطبه بغضب وهو يتجه إلى النفق المؤدي لغرف الملابس.
وكشف المدرب الإسباني عقب المباراة أن ما قاله للاعب يتعلق بأمر سبق أن ناقشه معه قبل انطلاق المواجهة، موضحاً أن الجهاز الفني كان واضحاً في تعليماته بشأن ضرورة احترام بعض الجوانب والتحكم في الانفعالات.
وقال أرتيتا: «عندما أعددنا اللاعبين لظروف المباراة، كنا واضحين للغاية بشأن الأمور التي يجب احترامها، والجوانب العاطفية التي يتعين علينا السيطرة عليها. كان كل شيء واضحاً».
وأثار تصرف المدرب انتقادات من بول ميرسون، لاعب آرسنال السابق، الذي اعتبر أن أرتيتا بالغ في رد فعله تجاه لاعب لا يزال في بداية مسيرته.
وقال ميرسون خلال تحليله المباراة عبر «سكاي سبورتس»: «يجب أن نتذكر أنه يبلغ 16 عاماً فقط، إنه طفل. لم يكن يقدم أفضل مبارياته، ولذلك من الطبيعي أن يشعر بالإحباط. إنه يحصل على فرصة اللعب مع آرسنال بين الحين والآخر، وربما يعتقد أنه يستحق المشاركة بصورة أكبر».
وأضاف أن اللاعب وجد نفسه أمام فرصة لإثبات قدراته، لكنه لم يقدم المستوى المطلوب، ثم تعرض لتدخل قوي بالطريقة التقليدية المعروفة في كرة القدم الإنجليزية، قبل أن يفقد السيطرة على أعصابه.
وذهب ميرسون إلى أبعد من ذلك، عندما شكك في أن أرتيتا كان سيتصرف بالطريقة نفسها لو كان اللاعب المطرود أحد نجوم الفريق أصحاب الخبرة الدولية.
وقال: «لو كان اللاعب فيكتور غيوكيريس، لما تعامل معه أرتيتا بهذه الطريقة. هذا ما لا يعجبني. لو كان لاعباً دولياً صاحب خبرة، فلا أعتقد أنه كان سيفعل ذلك. داومان إنسان في النهاية، وليس أول لاعب يتعرض للطرد مع آرسنال، ولن يكون الأخير».
واعتبر ميرسون أن الموقف كان يتطلب احتواء اللاعب بدلاً من توبيخه أمام الجميع، خصوصاً أن المباراة كانت لا تزال متعادلة.
وأضاف: «لو كنت مكانه، لوضعت ذراعي حول كتف اللاعب. النتيجة كانت لا تزال 1-1، والفريق ما زال في المباراة».
وتابع أن الإنسان قد يقول أحياناً أشياء يندم عليها لاحقاً، معتبراً أن تصرف أرتيتا يمثل أحد تلك المواقف التي ربما كان سيغيرها لو أتيحت له فرصة العودة إليها.
في المقابل، رأى ليون عثمان، لاعب إيفرتون السابق، أن داومان يتحمل مسؤولية تصرفه، وأن قلة الخبرة كانت العامل الأساسي وراء البطاقة الحمراء.
وقال عثمان عبر إذاعة «بي بي سي فايف لايف» إن اللاعب لا يملك أسباباً كثيرة للاعتراض على قرار الحكم، رغم كثرة التدخلات القوية خلال المباراة.
وأوضح أن اللاعبين أصحاب المهارات العالية يجب أن يدركوا أنهم سيكونون عرضة لتدخلات بدنية متكررة من المنافسين، وأن عليهم تعلم كيفية التعامل مع هذه المواقف دون فقدان السيطرة على أعصابهم.
وأضاف: «كان رد فعله سيئاً، ونأمل أن يتعلم من ذلك، وأن يتعلم بسرعة».
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التي يحظى بها داومان باعتباره أحد أبرز المواهب الصاعدة في أوروبا، وهو ما يجعل إدارة انفعالاته وتطوير قدرته على التعامل مع الضغوط جزءاً أساسياً من عملية تطوره.
وكان أرتيتا قد أكد سابقاً أن اللاعب الشاب سيحتاج إلى الاعتياد على التدخلات القوية من المدافعين، في ظل المهارات التي يمتلكها وقدرته على إحداث الفارق في المواجهات الفردية.
ولم تكن أزمة داومان سوى جانب من ليلة صعبة عاشها آرسنال، الذي دخل المباراة بتشكيلة تجريبية ضمت عدداً من اللاعبين الشباب.
ومنح أرتيتا فرصة الظهور الأول للاعب سيداتش أونيل، البالغ 18 عاماً، بينما أشرك مارلي سالمون، البالغ 17 عاماً، في قلب الدفاع، وداومان على الجناح، في حين خاض الحارس إيلان ميسلييه مباراته الأولى أساسياً مع النادي.
ورغم ذلك، لم تخلُ التشكيلة من عناصر الخبرة الدولية، إذ شارك يورين تيمبر وبييرو هينكابي ومارتن زوبيميندي، المتوج بكأس العالم، وكاي هافيرتز، الفائز بدوري أبطال أوروبا، إلى جانب المهاجم فيكتور غيوكيريس.
وكان هؤلاء اللاعبون من العناصر التي أسهمت بصورة كبيرة في تتويج آرسنال بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي.
ومع ذلك، لم ينجح الفريق في فرض تفوقه، حتى بعدما دفع أرتيتا بقائده مارتن أوديغارد، ولاعب الوسط برونو غيمارايش، الذي بلغت قيمة انتقاله 75 مليون جنيه إسترليني، من مقاعد البدلاء.
وزادت غرابة الخسارة بعدما تمكن فريق آرسنال تحت 21 عاماً، في الليلة نفسها، من الفوز على ويمبلدون، الذي يلعب في درجة أعلى من الدرجة التي يلعب فيها فليتوود، ضمن منافسات كأس رابطة الدوري الإنجليزي.
وشهدت المباراة حادثة غير مألوفة بعد أقل من دقيقتين على انطلاقها، عندما اضطر الحكم إلى إيقاف اللعب لأكثر من ثماني دقائق بسبب تحليق طائرة مسيّرة فوق الملعب، في بداية مضطربة لليلة انتهت بإحدى أكبر مفاجآت البطولة.
وعقب المواجهة، حرص أرتيتا على تهنئة فليتوود بالتأهل، معبراً عن حزنه الشديد لخروج فريقه.
وقال: «أولاً، أهنئ فليتوود على التأهل إلى الدور المقبل، وعلى الطريقة التي حقق بها ذلك. أما بالنسبة إلينا، فهو يوم حزين للغاية».
ورفض المدرب الإسباني التشكيك في التزام لاعبيه أو رغبتهم في الفوز، مؤكداً أن الفريق أظهر العزيمة منذ البداية، رغم الأخطاء التي كلفته النتيجة.
وأضاف: «لا يوجد ما يمكن انتقاد اللاعبين عليه من حيث الموقف أو الالتزام أو الإصرار. كان ذلك واضحاً منذ البداية. وحتى عندما لعبنا بعشرة لاعبين، فإننا استقبلنا هدفاً سيئاً للغاية منح المنافس دفعة معنوية».
وتعيد الخسارة إلى الأذهان إخفاقات سابقة لآرسنال في كأس الرابطة، أبرزها خروجه أمام برادفورد سيتي، أحد أندية الدرجة الرابعة، بركلات الترجيح عام 2012، ثم هزيمته أمام شيفيلد وينزداي عام 2015 في الدور نفسه.
كما تعني استمرار غياب النادي اللندني عن منصة التتويج بكأس الرابطة، التي لم يحرز لقبها منذ 33 عاماً.
ولا تقتصر تداعيات الخروج على فقدان فرصة المنافسة على اللقب، إذ سيواجه آرسنال أزمة إضافية في الخيارات الهجومية قبل مباراته المرتقبة أمام ليفربول، الأحد المقبل.
فمع إيقاف داومان، وغياب ساكا المتوقع لنحو ستة أسابيع، واستمرار عمل تزوليس على استعادة جاهزيته، إلى جانب إصابة مادويكي التي كشف عنها أرتيتا بعد المباراة، تبدو الخيارات المتاحة للمدرب على الأطراف محدودة للغاية.
وبين الخروج المفاجئ من البطولة والجدل بشأن التعامل مع موهبته الشابة، يجد أرتيتا نفسه أمام اختبار يتجاوز الجوانب الفنية، يتعلق بكيفية الموازنة بين فرض الانضباط وحماية اللاعبين الصاعدين من الضغوط التي قد ترافق أخطاءهم الأولى.
فداومان، الذي كان قبل أيام يحتفل بثنائية منحته إشادة واسعة، أصبح الآن مطالباً بالتعامل مع أول انتكاسة كبيرة في مسيرته، بينما يبقى السؤال الذي أثارته ليلة فليتوود قائماً: هل كان توبيخ أرتيتا درساً ضرورياً للاعب الشاب، أم أن المدرب ذهب بعيداً في رد فعله؟
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira