«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً
وصف «الكرملين» الجمعة، جولة المفاوضات الثلاثية المرتقبة في غضون أسبوعين، بمشاركة روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، بأنها ستكون حاسمة لتحديد مصير تطورات الوضع.
وتم التمهيد لهذه الجولة التي ينتظر أن تعقد في أبوظبي، بعد جولات محادثات منفصلة أميركية - أوروبية - أوكرانية، وأميركية - روسية، بتحسن محدود في الأجواء المحيطة بالصراع، من خلال الاتفاق على هدنة إنسانية برعاية أميركية في إحدى المناطق الأكثر تضرراً بأوكرانيا، وفتح قناة اتصال نادرة بين روسيا والنرويج وفنلندا، رغم أن هذا تزامن مع تواصل التهديدات المتبادلة للبنى التحتية في روسيا وأوكرانيا.
وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، إن بلاده تعول على «الأهمية البالغة للمحادثات الثلاثية المرتقبة للتوصل إلى تسوية».
وأوضح في مقابلة صحافية: «نعتزم إجراء محادثات ثلاثية مع الأوكرانيين، بوساطة أميركية، وهي في الواقع حاسمة لمصير كل ما يحدث هذه الأيام وهذه السنوات».
موسكو تحذر من تعرضها لهجوم
حذر أوشاكوف من أن موقف روسيا من المفاوضات سيعتمد جزئياً على ما إذا كانت كييف ستشن هجوماً واسع النطاق في يوم الوحدة الوطنية بروسيا في 4 نوفمبر (تشرين الثاني). وقال أوشاكوف لقناة «فيستي» التلفزيونية الحكومية، رداً على سؤال حول آفاق المحادثات: «إذا وقعت أي عمليات قصف استثنائية واسعة النطاق خلال فعاليات جماهيرية عامة، فمن المحتمل أن يؤثر ذلك في موقفنا بطريقة ما أيضاً. وهذا أمر منطقي تماماً».
وفي وقت سابق، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه مع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، استعداد موسكو لاستئناف المحادثات الثلاثية بشأن أوكرانيا.
وفي تعقيب لافت حمل تطوراً محدوداً في الموقف الروسي حيال مسألة إشراك الأوروبيين في مفاوضات السلام، قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف في تصريح لوكالة أنباء «فيستي»: «ستُعقد المحادثات بصيغة ثلاثية. نعم، ستكون المشاركة الأوروبية ضرورية في مرحلة ما، لكن لم يناقش أحد هذا الأمر بشكل محدد حتى الآن». وأضاف أن «عدد السياسيين (الأوروبيين) الذين يتواصلون مع روسيا سيزداد إذا ساد المنطق في أوروبا».
وجدد التأكيد على «انفتاح بوتين للتواصل مع الجميع بهدف التوصل إلى حل سلمي للمسألة الأوكرانية». لكنه زاد أن التواصل الأوروبي مع موسكو «لن يؤثر في هذه المرحلة بأي شكل من الأشكال على المفاوضات الثلاثية».
وكانت انفراجة محدودة قد ظهرت بعد اتصال هاتفي مشترك أجراه رئيس فنلندا ورئيس الوزراء النرويجي مع بوتين قبل يومين. ولم تحمل المكالمة جديداً على صعيد المواقف، وكرر الطرفان مواقف سابقة حول شروط التسوية، لكن الجديد برز في التوافق على مواصلة الاتصالات المباشرة لاحقاً. ومع أن المبادرة قوبلت باستياء في بعض البلدان الأوروبية، فإنها أظهرت حاجة بعض الأطراف الأوروبية إلى تنشيط قنوات الاتصال المباشرة المقطوعة مع الكرملين منذ سنوات.
وقال بيسكوف إن الرئيس بوتين منفتح أيضاً على المحادثة هاتفياً مع كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. ورداً على سؤال حول ما سيحدث إذا اتصل ماكرون أو ميرتس بالكرملين، قال بيسكوف: «سيرد على الهاتف أيضاً. إنه (الرئيس) منفتح على الحوار مع الجميع»، وفقاً لوكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.
موسكو تلوح مجدداً بخسائر أوروبا
على صعيد متصل، لوحت موسكو مجدداً بخسائر أوروبا، بسبب فرض عقوبات وقطع الاتصالات مع موسكو. وقال كيريل ديمتريف، الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، إن قطع الاتحاد الأوروبي إمدادات الطاقة الروسية عن التكتل، جعله عاجزاً أمام شتاء قاسٍ وأسعار طاقة مرتفعة.
وجاء تعليقه على مقال نُشر في موقع «بوليتيكو» بعنوان «حكومات الاتحاد الأوروبي عاجزة أمام ارتفاع أسعار الطاقة إلى أعلى مستوى لها في 4 سنوات». ومع توقعات متزايدة بأن الشتاء المقبل سيكون صعباً، ترى موسكو أن تردد القادة الأوروبيين في إطلاق مسار لتطبيع العلاقات مع موسكو يقلص فرص مواجهة التحديات المتعلقة بنقص موارد الطاقة.
وكان دان يورغنسن، المفوض الأوروبي لشؤون الطاقة، قال الخميس، إن أكثر من 50 مليون أوروبي غير قادرين على تدفئة منازلهم بشكل كافٍ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وإن هذا العدد قد يرتفع هذا العام. وأضاف أن الأزمة الحالية تختلف عن الوضع في عام 2022؛ إذ إنها لا تؤثر على الغاز فحسب، بل على النفط ومشتقاته أيضاً. وقد أعلنت السلطات الروسية مراراً، أن رفض الدول الأوروبية الاعتماد على موارد الطاقة الروسية أدى إلى ارتفاع الأسعار والتكاليف على اقتصاد الاتحاد الأوروبي نفسه.
واللافت أن موسكو كثفت اتهاماتها للأوروبيين بسبب قطع العلاقات الاقتصادية، وللأوكرانيين بسبب مواصلة استهداف البنى التحتية للطاقة في روسيا، ورأت في العاملَين سبباً رئيسياً في تفاقم أزمة إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والديزل في العالم. وعاد أوشاكوف الجمعة، إلى اتهام أوكرانيا بتصعيد الوضع، بسبب رفضها الانصياع لمطالب الرئيس دونالد ترمب بوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية.
وقف الهجمات على مصافي النفط
وزاد أن الرئيس الأميركي «دعا بإصرار إلى وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، لكن كييف تجاهلت ذلك مجدداً»، مشيراً بذلك إلى اتهام موسكو لكييف باستئناف قصف منشآت الطاقة في اليومين الأخيرين.
وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الخميس)، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وذكرت الصحيفة أن الوحدات الأوكرانية التي تنفذ غارات بعيدة المدى تلقت تعليمات في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بأن الحملة ضد المصافي ستعلق فعلياً بمجرد الانتهاء من المهام الجارية بالفعل. وأضاف تقرير الصحيفة أن هذا التعليق غير الرسمي من المتوقع أن يستمر لما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وربما يمتد إلى أواخر نوفمبر. وفي الوقت نفسه، صعدت روسيا من هجماتها على منشآت للطاقة والبنية التحتية المدنية في أوكرانيا.
«البنتاغون» يطالب بتخفيف حدة الخطاب ضد روسيا
قالت 4 مصادر لوكالة «رويترز»، إن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) طلبوا في الأسابيع القليلة الماضية، من عدة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، تخفيف حدة خطابهم بشأن التهديد الذي تشكله روسيا، بحجة أن بعض التصريحات الصادرة عن القادة والمسؤولين الأوروبيين تقوض أمن القارة.
وذكرت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها، أن ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا من بين الدول التي تلقت رسائل تحثها على ضبط تصريحاتها العلنية. ولم يتضح ما إذا كانت هذه الرسائل، التي سُلمت خلال اجتماعات ثنائية، تلقتها حكومات أوروبية أخرى.
ورداً على طلب للتعليق، قال مسؤول في «البنتاغون»: «الأحاديث الخاصة بين الحلفاء هي محادثات خاصة، لذلك لن نعلق على هذه الادعاءات».
وقال أحد المصادر إن من بين التعليقات التي لفتت انتباه المسؤولين الأميركيين، ما قاله قادة أوروبيون حول كون روسيا محاصرة وتلجأ إلى إجراءات يائسة ومتهورة بشكل متزايد مع تباطؤ غزوها لأوكرانيا إلى حد كبير.
وقال مصدران إن إلبريدج كولبي رئيس شؤون السياسات في «البنتاغون»، وهو شخصية محورية في مراجعة تتم حالياً لتقييم مستويات نشر القوات الأميركية في أوروبا، كان من بين المسؤولين الأميركيين الذين نقلوا الرسالة. ولم يتسنَّ لـ«رويترز» تحديد هويات المسؤولين الآخرين المشاركين في الأمر.
ولم يُشِر أي من المصادر، وهم 3 مسؤولين أوروبيين ومسؤول أميركي، إلى أن الرسالة أوصلت بطريقة تصادمية.
لافروف في أتلانتا
على صعيد آخر، وصل الجمعة، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى أتلانتا، للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة «العشرين». واستبقت الناطقة باسم «الخارجية»، ماريا زاخاروفا، الزيارة بإشارة إلى أن الموضوع الرئيسي للنقاش سيكون الوضع الاقتصادي العالمي، مع الأخذ في الحسبان التوجهات الجيوسياسية.
ويعقد وزراء خارجية المجموعة اجتماعاتهم يومي الجمعة والسبت، للتحضير لقمة مجموعة العشرين، المقرر عقدها يومي 14 و15 ديسمبر (كانون الأول) في ميامي.
وأعلنت «الخارجية» الروسية في بيان: «سيؤكد رئيس الوفد الروسي الأهمية الجوهرية للأمن غير القابل للتجزئة باعتباره أساس التعددية القطبية، وسيؤكد ضرورة دمقرطة نظام الحكم، لا سيما مؤسسات (بريتون وودز)، من خلال تعزيز مكانة دول الجنوب العالمي والشرق».
كما أشارت الوزارة إلى أن الاجتماع سيسلط الضوء على «الإمكانات الإبداعية لصيغ التعاون العالمي؛ مثل مجموعة (بريكس)، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة (شنغهاي للتعاون)، ومبادرة الرئيس الروسي لتشكيل شراكة أوراسية كبرى».
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أعلن قبل أسابيع، عن توجيه دعوة إلى بوتين لحضور الاجتماع بعد سنوات من مقاطعة المجموعة للرئيس الروسي.
لكن الناطق الرئاسي الروسي قال إنه لم يُتخذ قرار بعد بشأن مشاركة بوتين شخصياً. وعاد مساعد الرئيس أوشاكوف في وقت لاحق، ليؤكد أن تلبية بوتين الدعوة للمشاركة في قمة ميامي، مرتبطة بمدى التقدم الذي يمكن أن يتم إحرازه الشهر المقبل، خلال لقاء منتظر مع الرئيسين الصيني والأميركي على هامش قمة مجموعة «أبيك». وقال أوشاكوف إن زيارة الرئيس بوتين لقمة مجموعة العشرين في ميامي ستعتمد على نتائج قمة «أبيك» المقررة في الصين. وبدا أن موسكو تعول على أن هذه القمة الثلاثية قد تسهم في كسر العزلة الغربية المفروضة على بوتين نهائياً، ما يمكنه من التوجه إلى ميامي لاحقاً للمشاركة في قمة «العشرين».
وأشار مساعد الرئيس إلى أن كل شيء «سيتوقف على نتائج القمة في الصين. بالتأكيد أقول: أولاً نوفمبر، ثم ديسمبر».
الهدنة الإنسانية
ميدانياً، ومع استمرار الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، على مواقع خلف خطوط التماس، دخلت، الجمعة، الهدنة الإنسانية في بلدة أوليشكي حيز التنفيذ، بعد مرور يومين على وقف إطلاق النار بشكل متبادل في هذه المنطقة. ووصل صباح الجمعة، عشرات المراسلين الأجانب إلى البلدة، بينهم صحافيون أميركيون ومراسلون من دول أخرى، لتغطية انطلاق عملية إجلاء المدنيين من المنطقة.
وأفادت مفوضة حقوق الإنسان في روسيا، يانا لانتراتوفا، بأن «كل شيء يجري بشفافية، وهو أمر بالغ الأهمية». وذكرت لانتراتوفا في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أنها ومفوض البرلمان الأوكراني لحقوق الإنسان دميتري لوبينيتس، توجها إلى أوليشكي، «لننسّق معاً تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها بمساعدة السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب».
وأوضحت لانتراتوفا أن الجانبين الروسي والأوكراني يلتزمان التزاماً كاملاً بالتعهدات المترتبة عليهما في إطار المهمة الإنسانية، وأن نظام الهدوء على خط التماس لا يزال سارياً، ولم تسجل أي حوادث. ومع ذلك، أفادت المسؤولة الروسية بمقتل شخصين؛ أحدهما خبير في إزالة الألغام، أثناء تطهير طريق في أوليشكي.
وكانت فرق روسية أنهت الخميس، عملية إزالة الألغام من المسارات اللازمة لتنفيذ عملية إدخال مساعدات غذائية وطبية وإجلاء المدنيين.
ودخل رتل كبير من المساعدات الإنسانية يضم 25 حافلة إلى المدينة، التي تعرضت لحصار لأشهر وقصف متواصل، أسفر عن تدهور حاد في الوضع الإنساني فيها.
ووفقاً لمسؤولين في موسكو وكييف، بدأ السكان ظهر الجمعة، بتسلم مواد غذائية ومستلزمات نظافة ووقود للمولدات وأدوية ضرورية.
وتقع أوليشكي على الضفة اليسرى لنهر دنيبر مقابل مدينة خيرسون الخاضعة لسيطرة القوات الأوكرانية. ورعت ميلانيا ترمب التوصل إلى هدنة إنسانية نادرة اتفق الطرفان في إطارها على وقف الهجمات على المنطقة والسماح بدخول المساعدات وتسهيل خروج الراغبين من المدنيين، ورغم تبادل الاتهامات بين موسكو وكييف، فإن الهدنة صمدت بسبب الدعم الأميركي. وفي وقت سابق، اتهمت موسكو الأوكرانيين بزرع ألغام أرضية لمنع خروج المدنيين، بينما اتهمت كييف الجانب الروسي بالسعي إلى إجبار السكان على الخروج باتجاه ممر واحد يقود نحو المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · كوثر وكيل
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira