يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب واقعاً سياسياً واقتصادياً مختلفاً مع انتزاع الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، في تحوّل يهدد بتعقيد تنفيذ أجندته خلال العامَين الأخيرَين من ولايته، ويفتح الباب أمام مراجعة أكثر تشدداً لسياساته في التجارة والضرائب والإنفاق، فضلاً عن تصاعد الرقابة على شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

ولا تقتصر أهمية النتيجة على فقدان الجمهوريين أغلبيتهم التشريعية، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، بعدما أصبح الديمقراطيون يمتلكون أدوات أوسع لتعطيل التشريعات التي تدعم أولويات ترمب، وفتح التحقيقات في قرارات إدارته، واستدعاء المسؤولين التنفيذيين للمساءلة، ومراجعة أوجه الإنفاق الحكومي.

وقد انعكست هذه التحولات سريعاً على الأسواق العالمية، مع تراجع العقود الآجلة للأسهم الأميركية والدولار، وانخفاض أسهم التكنولوجيا في آسيا، في حين ارتفعت سندات الخزانة الأميركية. ويعكس رد الفعل مخاوف المستثمرين من أن تؤدي السيطرة الديمقراطية إلى زيادة القيود التنظيمية على قطاعات النمو، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب احتمال الحد من خطط التوسع المالي التي تتبناها الإدارة.

أشخاص يسيرون في شارع وول ستريت قبل قرع جرس افتتاح بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي... من محرك للأسواق إلى هدف للرقابة

يبرز قطاع الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، بعدما أصبحت الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية محركاً رئيسياً لنمو شركات التكنولوجيا، وأحد العوامل الداعمة لمكاسب الأسهم الأميركية.

ويخشى المستثمرون أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس إلى تكثيف الرقابة على هذا القطاع، خصوصاً شركات التكنولوجيا الكبرى ومشروعات مراكز البيانات التي تتطلّب استثمارات رأسمالية هائلة، وتستهلك كميات كبيرة من الكهرباء والمياه، وتثير اعتراضات متزايدة في المجتمعات المحلية.

وتتجاوز المخاوف مسألة تنظيم تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو حماية البيانات، لتشمل شروط إنشاء مراكز البيانات وتكاليف تشغيلها، ومدى تحمل الشركات الأعباء الإضافية التي يفرضها توسعها على شبكات الكهرباء والمستهلكين.

وكان مسؤولون في الحزب الديمقراطي قد أشاروا، قبل الانتخابات، إلى أن فرض ضرائب على مراكز البيانات والاستجابة للاعتراضات الشعبية على توسع الذكاء الاصطناعي سيكونان من الملفات التي تحظى باهتمام لجان مجلس الشيوخ في حال استعادة الحزب السيطرة عليه. كما تشمل أولويات الرقابة المحتملة التحقيق في تأثير شركات الاستثمار الخاص على تكاليف المعيشة، وملفات الرعاية الصحية والإسكان.

وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة مع تصاعد الاعتراضات المحلية على إنشاء مراكز البيانات، بسبب ضغطها على إمدادات الكهرباء وارتفاع تكاليف الطاقة. وأظهرت استطلاعات رأي أن شريحة من الأميركيين تؤيد فرض قيود على بناء هذه المنشآت، في مؤشر على تحول القضية إلى جزء من النقاش السياسي المتعلق بتكاليف المعيشة، وليس مجرد خلاف حول مستقبل التكنولوجيا.

وكانت «رويترز» قد أشارت، في تحليل سابق للانتخابات، إلى أن فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونغرس قد يفتح الباب أمام جلسات استماع وتحقيقات تتعلق بسلامة نماذج الذكاء الاصطناعي، وضرورة إخضاعها لتقييمات مستقلة، والإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بها، إلى جانب تحميل مطوري مراكز البيانات مسؤولية أكبر عن آثار مشروعاتهم على المجتمعات المحلية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الكونغرس سيتجه إلى وقف التوسع في مراكز البيانات أو إقرار تشريعات تعطّل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي؛ فمثل هذه الخطوة قد تصطدم أيضاً بمخاوف تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها التنافسي أمام الصين، فضلاً عن أهمية هذه الاستثمارات للنمو الاقتصادي. لكن زيادة الرقابة والتحقيقات، حتى من دون صدور تشريعات جديدة، قد ترفع مستوى عدم اليقين وتؤثر في توقيت المشروعات وتكاليفها.

وهذا ما يفسر حساسية أسهم شركات التكنولوجيا تجاه نتائج الانتخابات، إذ لا يقتصر تأثير أي تغيير تنظيمي محتمل على شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، بل يمتد إلى شركات الرقائق ومزودي الخدمات السحابية ومشغلي مراكز البيانات، فضلاً عن الشركات التي تعتمد على هذه البنية التحتية في خططها الاستثمارية.

صورة لحقل تظهر فيه لافتة احتجاجاً على بناء مركز بيانات خلال يوم انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في مقاطعة ليفنوورث بكانساس (رويترز)

الرسوم... رقابة أكبر من دون انتزاع صلاحيات الرئيس

ويمثّل ملف التجارة والرسوم الجمركية جبهة أخرى محتملة للمواجهة بين الكونغرس والبيت الأبيض، فقد جعل ترمب الرسوم أداة رئيسية في سياسته الاقتصادية، مستخدماً إياها لحماية الصناعات الأميركية والضغط على الشركاء التجاريين وإعادة التفاوض على العلاقات التجارية.

لكن هذه السياسة أثارت مخاوف من ارتفاع تكاليف الواردات، وانتقال جزء من الأعباء إلى الشركات والمستهلكين، فضلاً عن احتمال زيادة التوترات التجارية مع الاقتصادات الكبرى.

ومع سيطرة الديمقراطيين على المجلسَين، ستتاح لهم مساحة أوسع لمراجعة آثار الرسوم الجمركية، وتنظيم جلسات استماع بشأن انعكاساتها على الأسعار وسلاسل الإمداد والشركات الأميركية، ومحاولة تمرير تشريعات تحد من بعض الإجراءات التجارية التي تتخذها الإدارة.

ومع ذلك، لا تعني النتيجة الانتخابية أن الديمقراطيين باتوا قادرين على إلغاء الرسوم التي فرضها ترمب تلقائياً. فالرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة في السياسة التجارية، كما أن أي تشريع يصدره الكونغرس لمعارضة قراراته قد يواجه استخدام حق النقض الرئاسي.

وبالتالي، قد يكون التأثير الأكثر مباشرة في المرحلة المقبلة هو زيادة التدقيق السياسي والقانوني في قرارات الإدارة، ورفع كلفة اتخاذ إجراءات تجارية جديدة، بدلاً من حدوث تحول فوري في سياسة الرسوم الجمركية.

شاحنات نقل البضائع تعبر جسر السفير من الولايات المتحدة إلى كندا (إ.ب.أ)

الضرائب والإنفاق... ضغوط على خطط الإدارة المالية

أما على صعيد السياسة المالية فقد يؤدي تغير موازين القوى في الكونغرس إلى إبطاء تمرير المقترحات الضريبية والإنفاقية التي تحتاج إلى موافقة المشرّعين، خصوصاً إذا تضمنت تخفيضات ضريبية إضافية أو برامج إنفاق تزيد العجز الفيدرالي.

وكان المستثمرون قد أبدوا قلقاً متزايداً بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، في ظل ارتفاع الدين العام إلى نحو 40 تريليون دولار، وزيادة تكاليف خدمته. ومن هذا المنطلق، قد ينظر بعض المستثمرين إلى الجمود السياسي بوصفه عاملاً يحد من احتمالات التوسع في الاقتراض لتمويل تخفيضات ضريبية أو إنفاق حكومي إضافي.

وقد انعكس هذا التصور على سوق السندات عقب ظهور نتائج الانتخابات، مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية، إذ يرى المستثمرون أن صعوبة تمرير تشريعات توسعية قد تخفف الضغوط على الاقتراض الحكومي والتضخم.

لكن الأثر ليس أحادي الاتجاه؛ فتراجع الإنفاق والتحفيز المالي قد يحد أيضاً من دعم النمو الاقتصادي، في حين أن استمرار الخلافات بين الكونغرس والبيت الأبيض قد يعرقل إقرار الموازنة والتمويل الحكومي، ويعيد مخاطر الإغلاق الفيدرالي إلى الواجهة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر خلال عام 2027، مع اقتراب مفاوضات تمويل الحكومة وسقف الدين، إذ يمكن أن تتحول إلى ساحة مواجهة سياسية بين الطرفين، بما يضيف حالة من عدم اليقين إلى الأسواق بشأن الاقتراض والإنفاق ومسار الاقتصاد الأميركي.

مركز بيانات ثلاثي الطوابق بقدرة 49.5 ميغاواط قيد الإنشاء في فيرنون بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

العملات المشفرة والقطاع المالي تحت المجهر

ويمتد نطاق الرقابة الديمقراطية المحتملة إلى قطاع العملات المشفرة، الذي عزّز حضوره السياسي والمالي خلال السنوات الأخيرة، مستفيداً من توجه إدارة ترمب الأكثر دعماً للأصول الرقمية.

وقد أثارت العلاقة بين عائلة ترمب ومشروعات العملات المشفرة جدلاً سياسياً، وأسهمت الخلافات بشأنها في تعطيل مشروع قانون «كلاريتي» الذي كان يُنظر إليه باعتباره خطوة مهمة نحو وضع إطار تنظيمي للقطاع.

ومع انتقال السيطرة على اللجان البرلمانية إلى الديمقراطيين، قد تصبح التحقيقات في علاقات الإدارة والشركات العاملة في الأصول الرقمية أكثر حضوراً، فيما تزداد صعوبة التوصل إلى توافق بشأن التشريعات التنظيمية. وقد انعكست هذه المخاوف بالفعل على «بتكوين»، التي تراجعت إلى أدنى مستوى في سبعة أسابيع مع تزايد احتمالات سيطرة الديمقراطيين على المجلسين، قبل أن تقلص خسائرها لاحقاً.

ولا يتوقف الأمر عند العملات المشفرة؛ إذ أشار مسؤولون ديمقراطيون إلى اهتمامهم بفحص تأثير شركات الاستثمار الخاص في تكاليف الرعاية الصحية والإسكان والخدمات الأساسية، إلى جانب دور المؤسسات المالية في توفير المعلومات اللازمة لتحقيقات الكونغرس.

ماذا يستطيع ترمب أن يفعل؟

على الرغم من اتساع نفوذ الديمقراطيين، فإن سيطرتهم على مجلسي الكونغرس لا تعني امتلاكهم القدرة على إلغاء أجندة ترمب أو فرض بديل اقتصادي شامل. فالرئيس يحتفظ بحق النقض، وبصلاحيات تنفيذية مؤثرة في التجارة والسياسة الخارجية وتطبيق القوانين القائمة.

كما أن تمرير معظم التشريعات الرئيسية في مجلس الشيوخ يواجه عقبة إجرائية تتمثل في الحاجة إلى تأييد 60 عضواً لتجاوز التعطيل، وهو ما يجعل تمرير تغييرات واسعة أمراً صعباً حتى مع امتلاك الديمقراطيين الأغلبية.

وقد أشار ترمب إلى استعداده لاستخدام حق النقض ضد التشريعات التي يطرحها الديمقراطيون، ما يرجح أن تشهد المرحلة المقبلة مفاوضات أكثر صعوبة بشأن القضايا التي تتطلب موافقة الطرفين.

وفي المقابل، قد تلجأ الإدارة إلى توسيع استخدام الصلاحيات التنفيذية لمواصلة تنفيذ أجزاء من أجندتها، خصوصاً في الملفات التي لا تتطلّب تشريعات جديدة. لكن هذا المسار قد يفتح بدوره المجال أمام مزيد من الطعون القانونية والتحقيقات البرلمانية.

وبذلك، لا تعني نتائج الانتخابات نهاية أجندة ترمب الاقتصادية، لكنها تضعها أمام قيود سياسية وتشريعية أكبر، وتزيد احتمالات انتقال المواجهة من مرحلة تمرير السياسات إلى مرحلة الدفاع عنها وتبرير آثارها.

وبالنسبة إلى الأسواق، سيكون الاختبار الأبرز هو ما إذا كانت الرقابة المتزايدة على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ستؤثر في وتيرة الاستثمارات التي دعّمت أسهم التكنولوجيا، وما إذا كان الجمود المالي والتجاري سيحد من المخاطر المرتبطة بالعجز والاقتراض، أم أنه سيضيف مصدراً جديداً لعدم اليقين في الاقتصاد الأميركي.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira