بعد «السبت الأسود»... «الخميس الأحمر» يهدد فرنسا بالشلل

تلج فرنسا، هذا الأسبوع، منعطفاً اجتماعياً بالغ الخطورة عنوانه تداخل وتراكم المطالب الاجتماعية في وجه سلطات لا تمتلك الإمكانات المادية، التي من شأنها «شراء» السلم الاجتماعي.

فالاقتصاد الذي يحتل المرتبة الثانية في الاتحاد الأوروبي (بعد ألمانيا) يقترب من حافة الركود، فيما المديونية العامة تتراكم وفوائدها المرتفعة تستنزف مقدرات الدولة ومؤسسات التصنيف الدولية تراجع موقع فرنسا. ثم إن البلاد دخلت منذ عدة أشهر دائرة الانتخابات الرئاسية التي ستحصل بعد أقل من 6 أشهر، مع ما يرافقها من مزايدات وانقسامات وشروخ.

طلاب يغلقون مدخل مدرسة ثانوية في مدينة مرسيليا احتجاجاً على أوضاع التعليم الثانوي الاثنين (أ.ف.ب)

واعتادت البلاد رؤية الطلاب في التعليمين الثانوي والجامعي ينزلون إلى الساحات كل يوم سبت. ووصلت المخاطر إلى الذروة يوم «السبت الأسود» 17 أكتوبر (تشرين الأول)، الذي شهد مظاهرات في المدن الرئيسية والوسطى ضمت ما لا يقل عن 800 ألف شخص (وفق منظميها، ونصف مليون بحسب وزارة الداخلية). وما أقلق السلطات المواجهات وأعمال العنف والحرائق والسرقات والاعتقالات، بحيث خرجت الأمور عن سيطرة السلطات والقوى الأمنية. لذا، فإن وزارة الداخلية عبأت ليومي السبت اللاحقين (24 و31 أكتوبر) كل ما توافر لديها من شرطة ودرك ووحدات خاصة، لا بل استعانت أيضاً بقوة من الجيش، ونجحت، إلى حد بعيد، في السيطرة على الوضع من غير أن تختفي الاشتباكات والحرائق وأعمال السطو.

إضراب عام الخميس

بيد أن الاستحقاق الذي ينتظر السلطات هذا الأسبوع، تحديداً الخميس، مختلف تماماً عما عرفته حتى اليوم؛ فالحراك يأتي بناء على دعوة من 8 نقابات للعمال والموظفين، وهي الأكبر في فرنسا، وتشمل القطاعين العام والخاص. ومنذ اليوم، أعلن الطلاب الانضمام إلى الحراك إلى جانب «السترات الصفراء» والعاملين في قطاعات النقل... ولن يكتفي هؤلاء بالتظاهر في العاصمة والمدن الكبرى والمتوسطة؛ بل سيعلنون الإضراب العام، ما يعني أن الحركة الاقتصادية ستعاني، وربما إلى حد الشلل، إن في المدارس أو المستشفيات أو الدوائر الحكومية، خصوصاً في قطاع المواصلات بأنواعه.

وما يبرر هذا الحراك العام، الذي يضم للمرة الأولى القطاعين العام والخاص، عنوانه الأول الاحتجاج على تدهور القدرة الشرائية بسبب غلاء المعيشة - الذي يشمل بدلات الإيجار والمواد الأساسية وغير الأساسية والكهرباء والغاز. ويريد دعاة الإضراب من الدولة ومن أرباب العمل أن يقدموا حلولاً عملية لجهة رفع الرواتب، خصوصاً الحد الأدنى للأجور، فيما ميزانية عام 2027 التي تتم مناقشتها في الوقت الحاضر بالجمعية الوطنية، بالغة التقشف ولا تلحظ زيادة في الرواتب. ويجري الحديث حول أن الحكومة قد تكون جاهزة لزيادة زهيدة تتراوح بين 15 و20 يورو شهرياً، ما يمكن اعتباره، نظراً لغلاء المعيشة، «مزحة سمجة». وتطالب النقابات، علاوة على زيادة الأجور، بالحفاظ على المرافق والخدمات العامة، والدفاع عن فرص العمل، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروات (أي العدالة الضريبية) بما يخدم العمال والشباب والمتقاعدين على حد سواء.

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يسار) ووزير التربية إدوار جيفري خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية يوم 28 أكتوبر 2026 (رويترز)

وعود حكومية... ولكن

هذه المطالب تعرفها الحكومة، التي التقى رئيسها وفداً نقابياً قبل 10 أيام. بيد أن الوفد خرج خائباً؛ إذ لم يسمع من سيباستيان لوكرونو أي التزامات ملموسة بالتجاوب مع متطلباته. وبأي حال، فإن الأخير لا يملك الهوامش التي تمكنه من الالتزام بتدابير وإجراءات مكلفة للميزانية التي يجهد في تمريرها.

حقيقة الأمر أن ما يقلق السلطات عنوانه تداخل وتراكم المطالب الاجتماعية، فيما المناخ السياسي لا يوفر الأجواء الضرورية لحوار هادئ ومجدٍ.

فمنذ اليوم (الاثنين)، استأنف طلاب التعليم الثانوي حراكهم، مباشرة بعد انتهاء عطلة الخريف المدرسية التي دامت أسبوعين. وكانت السلطات تأمل في أن يعود التلامذة إلى صفوفهم، وهو ما دعا إليه رئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون، الأسبوع الماضي؛ إذ عدّ أنه «جرى الإصغاء لمطالب الشباب»، وهو ما أكده وزير التربية، إدوار جيفراي، صباح الاثنين في حديث صحافي لإذاعة «فرنس أنتير» العامة، أشار فيه إلى أن العديد من مطالب الطلاب أخذت في الحسبان، إن على صعيد زيادة أعداد الأساتذة أو تعديل المنصة الخاصة بالتوجيه الجامعي، أو توفير الأموال لتحسين الظروف المادية للثانويات المتردية.

وأفاد مكتب لوكورنو الاثنين، بأنه «جاهز» للقاء ممثلي طلاب التعليم الثانوي الأسبوع المقبل، عملاً بما التزم به أمام النواب. ووفق مكتبه، فإن الغرض من الاجتماع، في حال قبله الطلاب «النظر فيما أعلن من التزامات، والصعوبات التي من الضروري التغلب عليها، لوضعها موضع التنفيذ».

طلاب متجمعون قرب مدرسة ثانوية في باريس الاثنين (رويترز)

إغلاق مدارس وكليات

بيد أن هذه الدعوات والوعود لا يبدو أنها ستكون نافعة لجهة تخفيف احتقان هؤلاء؛ فمنذ صباح الاثنين، عمدت مجموعات من الطلاب إلى منع الدخول إلى كثير من الثانويات؛ ففي باريس ومرسيليا وتولوز ومدن أخرى، وضع تلامذة محتجون حاويات نفايات أمام مداخل العشرات من المدارس الثانوية.

وقالت مصادر وزارة التربية إن نحو 100 ثانوية تعاني من الإغلاق (من أصل 3700 ثانوية)، لكن هذا ليس سوى المقدمة؛ إذ إن الطلاب الجامعيين والثانويين دعوا إلى الحراك الواسع يوم الثلاثاء. وقالت المتحدثة باسم الاتحاد الطلابي، سابرين خرباش، يوم السبت، إنه «ابتداء من يوم الثلاثاء، سنغلق جامعاتنا وثانوياتنا، وسنواصل عمليات الإغلاق يوم الخميس أيضاً، قبل التوجه إلى المظاهرات استجابة لدعوة العمال والعاملات إلى التعبئة».

كذلك، حث الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا على «أن يكون الثلاثاء يوماً أسود في الجامعات»، من خلال تنظيم عمليات إغلاق لكليات الجامعات والثانويات في مختلف أنحاء البلاد. وفي السياق عينه، أعلنت «الفيدرالية العامة للجمعيات الطلابية» أنها «تساند جميع أشكال التعبئة والتحركات الاحتجاجية بمختلف أنواعها».

ما سبق يبين وبوضوح أن الحراك الطلابي، الذي انطلق في سبتمبر (أيلول) الماضي، من إحدى الضواحي الباريسية، احتجاجاً على الحالة المذرية لإحدى الثانويات، توسع كالنار في الهشيم ووصلت ارتداداته إلى 5 دول أوروبية (إيطاليا، وألمانيا، والبرتغال، وإسبانيا، وبلجيكا). وفي فرنسا نفسها، تمدد الحراك ليشمل طيفاً مجتمعياً واسعاً، وانضمام الأكثرية الساحقة من النقابات العمالية يخضع السلطات لضغوط واسعة لا تنفع معها الرهانات على انطفاء الحراك من نفسه، أو على إحداث شرخ بين مكوناته.

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira