قبل أقل من أسبوع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة في معركته للاحتفاظ بالأغلبية الجمهورية في الكونغرس، بإعلانه مكافأة مالية قدرها مليون دولار لكل من يقدم معلومات تكشف تزويراً انتخابياً يؤدي إلى اعتقال المسؤولين عنه وإدانتهم.

وتزامن الإعلان مع استعداد وزارة العدل لنشر 1000 مراقب في مراكز الاقتراع بالولايات الخمسين، في أكبر عملية مراقبة انتخابية في تاريخ الوزارة؛ ما أثار مخاوف من أن تكون الإدارة الجمهورية بصدد تهيئة الأجواء للتشكيك في نتائج الانتخابات إذا جاءت على غير ما تشتهي. ولم يكن توقيت الإعلان أقل أهمية من مضمونه؛ فبينما تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلس النواب، أعاد ترمب إلى الواجهة اتهاماته المتكررة بوجود تزوير واسع في الانتخابات الأميركية، وهي اتهامات ارتبطت خصوصاً برفضه الاعتراف بهزيمته أمام جو بايدن عام 2020، ويخشى منتقدوه أن يؤدي الجمع بين المكافآت المالية والوجود الفيدرالي المكثف في مراكز الاقتراع إلى خلق مناخ من الشك والاتهامات، حتى قبل فرز الأصوات.

وكتب ترمب، مساء الاثنين، على منصته تروث سوشيال: «أي شخص يبلغ عن تزوير انتخابي في الانتخابات السابقة أو انتخابات التجديد النصفي المقبلة لعام 2026 سيحصل على مليون دولار عند اعتقال وإدانة المسؤولين عن التزوير». وجاء المنشور قبل توجه ترمب إلى تجمع انتخابي في ميسيسيبي، حيث كرر عرضه أمام الصحافيين. ولم يوضح ترمب مصدر تمويل المكافأة، أو الجهة التي ستتلقى البلاغات وتتحقق منها، أو الآلية القانونية لصرف الأموال. واكتفى البيت الأبيض بإحالة الاستفسارات إلى منشور الرئيس. ويثير غياب هذه التفاصيل تساؤلات بشأن الطبيعة القانونية للمبادرة، خصوصاً أنها تتعلق بانتخابات تشرف عليها الولايات والسلطات المحلية، وليس البيت الأبيض بصورة مباشرة، كما أن اشتراط الاعتقال والإدانة يعني أن المكافأة لا تُصرف لمجرد تقديم اتهام، لكن الإعلان قد يشجع على تدفق بلاغات غير مثبتة، بما يفرض ضغوطاً إضافية على مسؤولي الانتخابات في الولايات المتنافسة.

وجاء هذا التعهد من ترمب في وقت تزداد فيه احتمالات استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى منافسات أكثر تقارباً مما كان متوقعاً في بعض المعاقل التقليدية للحزب الجمهوري. ويُنظر على نطاق واسع إلى تدني نسب التأييد لترمب - سواء فيما يتعلق بأدائه العام في المنصب أو إدارته للاقتصاد - بوصفه عاملاً يؤثر سلباً في فرص المرشحين الجمهوريين في السباقات الانتخابية المتقاربة.

1000 مراقب في 50 ولاية

أميركي يملأ بطاقة الاقتراع الخاصة به خلال التصويت المبكر في مدينة كاري بولاية كارولاينا الشمالية الأحد الماضي (أ.ف.ب)

بالتوازي مع إعلان ترمب، تستعد وزارة العدل لنشر نحو 1000 مراقب في جميع الولايات الأميركية الخمسين يوم الاقتراع، مقارنة بنحو 289 مراقباً في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، و714 مراقباً خلال الانتخابات الرئاسية عام 2024. وتقول الوزارة إن المهمة تستهدف ضمان الالتزام بقوانين الحقوق المدنية وحماية الناخبين من التمييز والترهيب، وهي مسؤولية اضطلعت بها الإدارات الديمقراطية والجمهورية على مدى عقود، لكن حجم الانتشار الجديد، وتوقيته، وسياقه السياسي أثارت اعتراضات مسؤولين انتخابيين، خصوصاً بعدما سعت إدارة ترمب إلى الحصول على بيانات تفصيلية لسجلات الناخبين، ورفعت دعاوى قضائية ضد ولايات رفضت تسليمها.

أشخاص يمرون بجوار لافتات انتخابية بينما يتوجهون للمشاركة في التصويت المبكر في مدينة كاري بولاية كارولاينا الشمالية (أ.ف.ب)

وقالت وكالة «رويترز» إن ولايتي مينيسوتا وكاليفورنيا اتخذتا إجراءات لمراقبة تحركات المراقبين الفيدراليين. ففي مينيسوتا، كلف المسؤولون نحو 40 موظفاً بمتابعة ممثلي وزارة العدل خلال الانتخابات التمهيدية، بينما وضعت كاليفورنيا ترتيبات مماثلة تحسباً لأي تجاوز للصلاحيات. واتهم المدعي العام لكاليفورنيا روب بونتا الحكومة الفيدرالية بأنها مصدر محتمل للترهيب والتدخل في العملية الانتخابية. وفي المقابل، رفضت وزارة العدل هذه الاتهامات، مؤكدة أن مراقبيها سيتلقون تدريباً على عدم التدخل في التصويت، وأن دورهم يقتصر على الملاحظة وتوثيق المخالفات.

معركة الصلاحيات بين واشنطن والولايات

وتزداد المخاوف بصورة خاصة في بنسلفانيا، حيث أبلغت وزارة العدل السلطات المحلية اعتزامها إرسال مراقبين إلى فيلادلفيا و3 مقاطعات أخرى، بينها أليغيني ولوزيرن وليهاي، دون تقديم تفسير علني مفصل لمعايير اختيارها. وفي كنتاكي بولاية تكساس، اختارت الوزارة مقاطعتي جيفرسون وفاييت، اللتين تضمان لويفيل وليكسينغتون، وهما من أبرز المعاقل الديمقراطية في الولاية. وأكد المسؤولون المحليون ضرورة التزام المراقبين بالقوانين التي تنظم دخول مراكز الاقتراع، بينما شددت الوزارة على أن مهمتهم تقتصر على تسجيل الملاحظات.

وتكتسب هذه المواجهة أهمية دستورية؛ إذ تتولى الولايات إدارة الانتخابات الأميركية، بينما تملك الحكومة الفيدرالية صلاحيات محددة لإنفاذ قوانين حماية حقوق التصويت. ولا يخول وجود مراقبين من وزارة العدل الإدارة الرئاسية التحكم في فرز الأصوات أو إعلان النتائج، لكن المخاوف تتعلق أيضاً بما قد يحدث بعد الاقتراع، إذا استخدمت بلاغات التزوير أو تقارير المراقبين لتبرير الطعون القضائية أو تأخير التصديق على نتائج بعض السباقات المتقاربة.

شبح انتخابات 2020

مناصرون للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في مدينة كورينث بولاية ميسيسيبي (أ.ف.ب)

وأعاد إعلان ترمب إلى الأذهان انتخابات 2020، عندما رفض الاعتراف بخسارته وطرح اتهامات واسعة بالتزوير لم تثبتها التحقيقات والأحكام القضائية. وتشير تسريبات أن إدارة ترمب كثفت تدخلاتها في ملفات الانتخابات، بما في ذلك محاولات الحصول على سجلات الناخبين، والدعوات إلى تشديد القيود على التصويت بالبريد، وتحركات قانونية في ولايات مثل ألاسكا وكاليفورنيا، غير أن وجود مخالفات انتخابية فردية لا يثبت حدوث تزوير منظم قادر على تغيير نتائج الانتخابات، كما أن التحقيق في بلاغات موثقة يظل إجراءً مشروعاً، ما دام يخضع للقانون، ولا يتحول إلى وسيلة لترهيب الناخبين أو التشكيك المسبق في أصواتهم.

ويقول مؤيدو ترمب إن الرقابة المشددة تعزز الثقة في الانتخابات، بينما يخشى معارضوه أن يؤدي تكرار اتهامات التزوير إلى تقويض هذه الثقة، خصوصاً إذا خسر الجمهوريون مقاعد حاسمة. ويثير المراقبون مخاوف من قدرة المؤسسات الأميركية على حماية استقلال العملية الانتخابية، وضمان قبول نتائجها، في مواجهة رئيس يعيد طرح الشكوك بشأن نزاهة التصويت قبل أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها.

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · هبة القدسي

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira