ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق
لم تكن مفاجأة انتخابات التجديد النصفي أن الاستطلاعات أخطأت في توقع تقدم الديمقراطيين، بل إنها، رغم ما أثارته من آمال ومخاوف في صفوفهم، قللت من الحجم الحقيقي لـ«الموجة الزرقاء» التي اجتاحت مجلسَي الكونغرس. فالنتائج تجاوزت الولايات المتأرجحة إلى معاقل جمهورية، ووضعت الرئيس دونالد ترمب أمام واقع مختلف قد يكون عنوانه «عامان أخيران يستطيع خلالهما ممارسة سلطاته، لكنه فقد الغالبية التي حمت قراراته ومرّرت أولوياته».
بحلول صباح الخميس بالتوقيت المحلي للولايات المتحدة، كان الديمقراطيون سيطروا على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، وحصدوا غالبية كبيرة في مجلس النواب. ولم تُحسم بعدُ نتيجة السباق على مجلس الشيوخ في ولايتي ميسيسيبي وألاسكا اللتين تشهدان منافسة محتدمة، علماً بأن غالبية الأصوات في الولايتين كانت تصب تقليدياً في مصلحة الحزب الجمهوري.
ويتجاوز مغزى هذه الخسارة الحساب العددي؛ إلى تقويض حجة ترمب الأساسية داخل حزبه من أن الولاء له هو أقصر الطرق إلى الفوز. لكن هزيمةَ الحزب لا تعني انتهاءَ الرئاسة، مثلما لا تعني غالبيةٌ ديمقراطيةٌ واسعةٌ امتلاكَ السلطة كاملة. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرةَ ترمب على حماية إرثه، وقدرةَ خصومه على تحويل رفض الناخبين سياساته نتائجَ ملموسة، بعدما أصبحت تكلفة المعيشة معياراً للحكم على الطرفين.
معركة تفسير الهزيمة
سارع ترمب إلى إبعاد المسؤولية عنه، قائلاً لـ«نيويورك تايمز» إن غيابه عن بطاقة الاقتراع حال دون تعبئة عدد كاف من الناخبين. لكن هذه الرواية تصطدم بحملة دعا خلالها الأميركيين مراراً إلى التصويت كأن اسمه مطروح على أوراق الاقتراع، كما تصطدم بخسارة شخصيات اختارها أو دعمها في ولايات محافظة.
ونقلت الصحيفة عن النائب الجمهوري، دون بيكون، رفضه هذا التفسير، محمّلاً الرئيس مسؤولية تراجع الشعبية وسوء اختيار بعض المرشحين. في حين ربط جمهوريون آخرون الهزيمة بالرسوم الجمركية، وارتفاع أسعار الطاقة، والحرب مع إيران، وحتى طبيعة العلاقة بإسرائيل، وهو ما لمّح إليه جي دي فانس، نائب الرئيس، في منشور على «إكس».
من الناحية السياسية؛ تشير هذه التصريحات إلى أن ترمب لم يعد يحتكر تفسير ما يريده الناخب الجمهوري. وقد يجد المشرّعون الذين يستعدون لانتخابات 2028 مصلحة في إظهار استقلال أكبر عنه، خصوصاً في الملفات الاقتصادية. غير أن تحوّل الانتقادات الجمهورية إلى تمرّد منظم ضد الرئيس ليس مضموناً، فالقيادة الجمهورية ما زالت تتمسّك بترمب، وقد تعيد المواجهةُ مع الديمقراطيين توحيدَ صفوف الحزب.
وتلفت «نيويورك تايمز» إلى ضرورة الحذر من عَدِّ كل موجة انتخابية تحوّلاً آيديولوجياً دائماً. فقد يكون الناخب عاقب الغلاء وسوء الإدارة أكثر مما تبنّى البرنامج الديمقراطي.
ولذلك؛ لا تُثبت خسارةُ الجمهوريين الشبابَ والناخبين اللاتينيين، مهما اتسعت، أن التحالف الذي حمل ترمب إلى الحكم تفكّك نهائياً. وتضع النتيجة أيضاً ورثته السياسيين، وفي مقدمهم جي دي فانس، أمام معضلة تتمثل في أن الدفاع عن سجل الإدارة قد يحمّلهم تكلفته، والابتعاد عنه قد يستفز القاعدة التي يحتاجون إليها. وهكذا؛ تبدأ معركة ما بعد ترمب بينما لا يزال يملك أدوات التأثير فيها.
كونغرس يغيّر القواعد
التحول العملي الأكبر يبدأ مع تولّي الكونغرس الجديد في يناير (كانون الثاني) المقبل مهامه. فوفق «وول ستريت جورنال»، فإن الديمقراطيين يستهدفون تعديلَ أجزاء من قانون الضرائب وقانون الإنفاق «الكبير والجميل» الذي أقرّه الجمهوريون، ومراجعةَ قيود «ميديكيد» الخاصّة بالصحة والمساعدات الغذائية، واستعادةَ دعم التأمين الصحي الذي انتهى العمل به.
لكن الفارق كبير بين تمرير هذه الأولويات في المجلسَين وتحويلها إلى قوانين. فقد أعلن ترمب استعداده لاستخدام الـ«فيتو»، فيما لا تعني الغالبية الجديدة امتلاك ثلثي الأصوات اللازمَين لتجاوزه. وفي المقابل، يستطيع الديمقراطيون منع تشريعات جمهورية جديدة، لتنتقل العلاقة من تمرير أجندة الرئيس إلى تفاوض بين طرفين يستطيع كل منهما تعطيل الآخر.
وتبرز «الموازنة» و«سقف الدين» بوصفهما موضعَي ضغط أساسيين، حيث تشير «وول ستريت جورنال» إلى انتهاء التمويل الحكومي في منتصف ديسمبر (كانون الأول)، والحاجة إلى رفع سقف الدين خلال 2027. وما لا يحسمه الكونغرس الحالي قبل انتهاء ولايته، فسينتقل إلى مساومات قد تشمل الإنفاق الاجتماعي وحدود تصرّف الإدارة في الأموال التي يقرّها المشرّعون.
أما السيطرة على مجلس الشيوخ، فتمنح الديمقراطيين نفوذاً إضافياً على التعيينات التنفيذية والقضائية، بما فيها أي ترشيح محتمل للمحكمة العليا. وهذا قد يدفع بالجمهوريين إلى تسريع المصادقات قبل فقدان غالبيتهم، ثم يفرض على ترمب لاحقاً اختيار مرشحين قابلين للتسوية أو مواجهة استمرار الشواغر.
بيد أن التحقيقات التي يريد الديمقراطيون إطلاقها بعد تسلمهم رئاسة اللجان النيابية، هي الأداة التي لا تحتاج توقيع الرئيس كي تبدأ. فمصالح عائلته التجارية والعملات المشفّرة وعلاقاته بالمليارديرات مرشحة لتدقيق أوسع، وفق الصحيفة. لكنها لا تعني تلقائياً إدانةً أو عزلاً؛ لأن تأثيرها المباشر سيكون استنزاف وقت الإدارة، والكشف عن معلومات، ورفع التكلفة السياسية لقراراتها. وقد يكون الأخطر هو التداعيات المتوقعة من هذه المواجهات على الديمقراطية الأميركية نفسها.
سلطة باقية ومساومات
ومع ذلك، فلن يتحول ترمب رئيساً دون أدوات وصلاحيات، فهو يستطيع مواصلة استخدام سلطاته التنفيذية القائمة في الهجرة، والتنظيم الإداري، والتجارة، ضمن القيود القانونية والقضائية. غير أن «الأمر التنفيذي» لا يعوّض «قانوناً جديداً»، ولا يخلق «تمويلاً» لم يقرّه الكونغرس، وقد يواجه طعوناً أو قيوداً تشريعية.
وحتى في قضية الذكاء الاصطناعي، التي استحوذت في الآونة الأخيرة على كثير من المناقشات وأثارت المخاوف، يكشف التصويت عن أن العقبات لن تأتي من واشنطن وحدها. فقد رصد «أكسيوس» فوز مرشحين يؤيدون تقييد توسع مراكز البيانات، وإقرار تدابير محلية تستهدف أعباء الكهرباء والمياه. وهذا يضع أجندة ترمب الداعمة للتوسع التكنولوجي أمام مقاومة على مستوى الولايات والمجتمعات، حتى إذا تعثّر تشريع اتحادي شامل.
ويبقى ملف السياسة الخارجية، حيث إن هامش الرئيس أوسع في التفاوض، وفي الانتشار العسكري، وفي أدوات تجارية مفوّضة إليه. وقد يلجأ إلى هذه الساحات لإظهار استمرار قدرته على المبادرة. لكن ملفات إيران والصين وأوكرانيا لن تنفصل عن تكلفة الطاقة والتمويل والرقابة، من دون أن يفرض تبدّلُ الكونغرس انقلاباً تلقائياً في سياسته.
وتظل التسويات ممكنة، خصوصاً في ملفات دعم المزارعين، والإسكان، وتسهيل تراخيص المشروعات. فالديمقراطيون يحتاجون إنجازات تتجاوز التحقيق في سياسات الإدارة، وترمب يحتاج ما يثبت أنه ما زال قادراً على الحكم، وهو ما عبر عنه بتغريداته على منصته «تروث سوشال». لكن حجم الهزيمة قد يدفعه أيضاً إلى المواجهة واستخدام الـ«فيتو» لتعبئة أنصاره.
لذلك؛ يتوقف مصير العامين المقبلين على سؤال عملي: هل يقبل الرئيس تقاسم القرار، أم يحاول تعويض خسارة الغالبية بتوسيع استخدام سلطاته؟ وفي الحالتين، انتهت مرحلة تمتّعه بكونغرس مُوالٍ، أما قدرته على فرض إيقاع السياسة الأميركية؛ فلم تنته.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira