لن تحدد الانتخابات النصفية الأميركية وحدها مستقبل علاقة واشنطن بالشرق الأوسط، لكنها ستؤثر في مقاربتها لمنطقة تسعى إلى تخفيف أعباء انخراطها فيها من دون خسارة نفوذها. وبين احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، أو فوزهم بالمجلسين، يبرز سؤال يتجاوز قدرة الكونغرس على تقييد الرئيس دونالد ترمب: هل يتغير الاتجاه الاستراتيجي؟ أم تتبدل وسائل تنفيذه وشروطه؟

ومع احتلال ملف إيران موقعاً مركزياً في هذه المعادلة منذ اندلاع الحرب المستمرة معها، باتت المواجهة مع طهران تتداخل مع حسابات الأمن والاستقرار في المنطقة، وتربط بين العقوبات المالية، والعمليات البحرية، وأسواق الطاقة. غير أن مركزية هذا الملف لا تعني اختزال شؤون المنطقة فيه، إذ قد يُقاس نجاح السياسة الأميركية بقدرتها على احتواء التهديدات، وبناء ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للاستمرار، تراعي مصالح شركائها، وتحدّ من مخاطر اتساع المواجهة. وهنا قد يؤثر الكونغرس في طريقة ممارسة واشنطن نفوذها، حتى إذا عجز عن فرض استراتيجية بديلة.

أغلبية بلا انقلاب

تعطي التوقعات الديمقراطيين فرصة قوية لاستعادة مجلس النواب، مع منافسة أشد على الشيوخ. وقدر نموذج «ديسيجن ديسك» في 26 أكتوبر (تشرين الأول) احتمال فوزهم بالأول بـ79 في المائة، وبالثاني بـ57 في المائة. لكن الفوز، حتى إذا اتخذ حجم «موجة زرقاء»، لا يعني تلقائياً امتلاك أغلبية الثلثين المطلوبة في المجلس لتجاوز الفيتو الرئاسي. ولذلك ينبغي الفصل بين حجم الهزيمة السياسية المحتملة لترمب وقدرة خصومه على إلزامه بتغيير سياساته.

قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر (يسار) يُحلق فوق مضيق هرمز على متن مروحية «سي إتش-47 شينوك» (سنتكوم)

إذا فاز الديمقراطيون بالنواب وحده، فإنهم يستطيعون فتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، والتدقيق في الإنفاق العسكري، وصفقات الأسلحة.

أما فوزهم بالمجلسين فإنه يمنحهم، إضافة إلى ذلك، سلطة أوسع على التعيينات التي تتطلب موافقة الشيوخ، وقدرة أكبر على تنسيق التشريعات، والموازنات. غير أن الفيتو والعقبات الإجرائية والانقسامات داخل الحزب ستظل تحد من قدرتهم على فرض خياراتهم.

وتبقى الموازنة أداة التفاوض الأهم. فالرئيس يستطيع رفض قانون، لكنه يحتاج إلى الكونغرس لإقرار اعتمادات جديدة. ومع ذلك، يصعب تحويل هذه السلطة إلى وقف سريع لعمليات قائمة، بسبب التمويل المتاح سلفاً، والخشية من اتهام المشرعين بتعريض القوات الأميركية للخطر. لذلك، يرجح أن يظهر التأثير في شروط الإنفاق، والرقابة، ومدى العمليات، أكثر من انتزاع قيادة السياسة الخارجية.

طائرتان أميركيتان من طراز «إيه-10» تحلقان في دورية نهارية فوق الشرق الأوسط (سنتكوم)

ولا يعني ذلك أن للرئيس حقاً عاماً في تجاهل القوانين، بحسب الاتهامات التي وجهت له في ظل سيطرة الجمهوريين الحالية على الكونغرس. فثمة فرق بين مخالفتها واستخدام المرونة التي تتيحها، كما في استثناءات الطوارئ الخاصة بصفقات السلاح.

وتوضح خدمة أبحاث الكونغرس أن منع صفقة يواجه عقبتين: إقرار تشريع، ثم تجاوز الفيتو الرئاسي المتوقع. لذلك، قد تنجح أغلبية ديمقراطية في رفع التكلفة السياسية للتصعيد مع إيران، والمطالبة بتحديد أهدافه، وتمويله، من دون أن تتفق على تخفيف العقوبات، أو إنهاء الضغط. فالاعتراض على حرب مفتوحة لا يساوي قبول تمدد إيران وشبكاتها الإقليمية، وقد يجمع رفض الحرب نواباً يختلفون جذرياً بشأن البديل.

تجفيف موارد إيران

تكشف المواجهة مع إيران صعوبة الفصل بين القوة العسكرية وأدوات الضغط الاقتصادي. فعند إطلاق عملية «النبذ الاقتصادي» في أغسطس (آب)، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الهدف منها هو تجفيف الموارد التي يعتمد عليها النظام الإيراني.

وتستهدف الحملة شبكات مالية، وتجارية، وقطاعات تشمل الأصول الرقمية، والذهب، والشحن، والطيران، بالتوازي مع الحصار البحري للموانئ الإيرانية. ويرى محللون أن هذه الإجراءات لا تقتصر على معاقبة طهران على أنشطتها السابقة، بل تهدف أيضاً إلى تقويض قدرتها على إعادة بناء قدراتها العسكرية، والاقتصادية.

صورة نشرها وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من زيارة سابقة لقوات أميركية في منطقة مسؤولية «سنتكوم» (إكس)

ويرى الباحثان مايكل جاكوبسون وماثيو ليفيت من معهد واشنطن، في مقال نُشر بمجلة «ناشيونال إنترست» في 26 أكتوبر، أن العقوبات والحصار لن يحققا أهدافهما من دون جهود دبلوماسية، وبرامج مساعدة لتعزيز قدرات الدول الشريكة. فشبكات التمويل والمشتريات عابرة للحدود، وتستفيد من تفاوت القوانين، ومستويات الرقابة، وقدرات الملاحقة بين الدول.

ومن هذا المنطلق قد تتحول مواجهة إيران إلى مدخل لسياسة أميركية تهدف إلى تعزيز قدرات شركائها على التصدي لشبكات النفوذ والتمويل الإيرانية.

ففي العراق، يتعلق الأمر بتعزيز قدرة المؤسسات المالية على كشف التحويلات غير المشروعة. وفي سوريا، بتشديد الرقابة على الحدود، ومسارات التهريب. وفي لبنان، بمنع إعادة بناء شبكات تمويل «حزب الله»، وتسليحه. وفي اليمن، بمراقبة الإمدادات العسكرية الموجهة إلى ميليشيا الحوثي.

سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في الشرق الأوسط (سنتكوم)

ويلفت مراقبون إلى أن الحصار البحري، وإن كان يستهدف خنق الاقتصاد الإيراني، ينطوي بدوره على تكلفة عسكرية، إذ يتطلب استمراره انتشاراً للقوات، وعمليات مراقبة متواصلة، واستعداداً لاحتمالات الاحتكاك العسكري، فضلاً عن مخاطر ردود إيرانية تستهدف الملاحة، والمنشآت الحيوية في المنطقة. ومن ثم، فإن الرهان على استنزاف إيران، كما لمح ترمب قبل أيام، لا يعني بالضرورة تقليص الانخراط الأميركي في الصراع، بل قد يفضي إلى إطالة أمد المواجهة.

وفي هذا السياق تبرز قدرة الكونغرس على التأثير في أدوات السياسة الأميركية، حتى من دون تغيير أهدافها. فقد خصص نحو 300 مليون دولار لبناء قدرات الشركاء في مكافحة الإرهاب خلال السنة المالية 2026، متجاوزاً المبلغ الذي طلبته إدارة ترمب نفسها. ويُظهر ذلك أن المشرعين قادرون على تأييد هدف التصدي لإيران وتطويقها، مع توجيه الموارد نحو مقاربات قد تختلف عن أولويات البيت الأبيض. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً أيضاً بتحديد الإدارة الأميركية غايتها السياسية بوضوح: هل المطلوب انتزاع تنازلات نووية؟ أم تقليص دعم إيران وتسليحها للميليشيات الحليفة لها في المنطقة؟ أم تغيير النظام؟ أم تحقيق هذه الأهداف مجتمعة؟

مقاربة تتجاوز الانقسامات الحزبية

تنسجم هذه المقاربة مع توجه في السياسة الأميركية يتجاوز الانقسامات الحزبية.

جانب من إحاطة قدّمتها القيادة المركزية الأميركية لشركائها الدوليين في قطاع الشحن البحري حول مضيق هرمز (سنتكوم)

فقد دعت استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2022 إلى تعزيز التكامل الإقليمي، وتقوية الشركاء، بما يتيح تخفيف أعباء الانخراط الأميركي المباشر في الشرق الأوسط. كما حذّرت من الإفراط في الاعتماد على القوة العسكرية، ومحاولات تغيير الأنظمة بوصفها وسائل لتحقيق استقرار مستدام. وأبقى بايدن السفارة الأميركية في القدس، وسعى إلى توسيع نطاق اتفاقات إبراهيم، رغم خلافاته مع ترمب في ملفات أخرى. وتعكس هذه الخيارات قدراً من الاستمرارية في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، من دون أن تعني تطابق مقاربتَي الإدارتين.

أما استراتيجية ترمب الصادرة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، فتمنح الشراكات الاقتصادية والاستثمارات وتقاسم الأعباء أهمية متقدمة، مع التشديد على مصالح أميركية أساسية، بينها أمن إسرائيل، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والبحر الأحمر، ومنع الجماعات الإرهابية من تهديد الأراضي الأميركية، ومصالح واشنطن.

وتنطلق الاستراتيجية من ضرورة تقليص المساحة التي يشغلها الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأميركية، مقارنة بالعقود الماضية. لكن الحرب اللاحقة مع إيران كشفت صعوبة ترجمة هذا التوجه إلى واقع، بعدما أعادت المواجهة العسكرية فرض المنطقة على جدول الأولويات الأميركية.

قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» براد كوبر خلال إفادة أمام مجلس الشيوخ في مايو 2026 (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، لا تعني أولوية التنافس مع الصين تراجع الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط، بل إعادة النظر في طبيعة الانخراط الأميركي فيه، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية، والأمنية، وتقاسم الأعباء، بما يحدّ من استنزاف الموارد اللازمة لأولويات واشنطن الأخرى.

غير أن هذا التقارب في التوجهات العامة لا يلغي الخلافات الحزبية بشأن السياسات التفصيلية. فالتباين حول حقوق الفلسطينيين، وشروط المساعدات العسكرية، والدبلوماسية النووية مع إيران، والتنسيق مع الحلفاء، كل ذلك يمكن أن ينعكس على قرارات واشنطن ونتائجها في المنطقة، حتى عندما تتقاطع الأهداف الاستراتيجية الكبرى.

توافق استراتيجي وتباين في التفاصيل

يبرز الملف الإسرائيلي - الفلسطيني بوصفه أحد أبرز مجالات الخلاف بين الحزبين. فالمواجهة مع إيران لا تلغي انتقادات داخل «الحزب الديمقراطي» للاستيطان، وسياسات الحكومة الإسرائيلية، ولا المطالبات بفرض شروط على استخدام الأسلحة الأميركية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمته أمام الكونغرس الأميركي في 24 يوليو 2024 (أ.ب)

وقد طرح أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ في سبتمبر (أيلول) مشروع قانون لفرض عقوبات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني «إي 1»، في مؤشر إلى إمكان ترجمة هذه الاعتراضات إلى مبادرات تشريعية. وبذلك قد يجمع موقف الكونغرس بين دعم الدفاعات الإسرائيلية في مواجهة الصواريخ، والمطالبة بضوابط على أشكال أخرى من المساعدات العسكرية، وتعزيز حماية المدنيين الفلسطينيين.

كذلك، فإن النظر إلى لبنان وسوريا والعراق حصراً من زاوية مواجهة النفوذ الإيراني يتجاهل تحديات التعافي الاقتصادي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فهذه التحديات ترتبط بدورها بقدرة الدول الثلاث على الحد من نفوذ الجماعات المسلحة، ومنع تجدد الصراعات، ما يمنح المساعدات الاقتصادية والدبلوماسية دوراً أمنياً لا يقل أهمية عن أدوات الضغط العسكري.

قوة أقل انكشافاً

أظهرت حرب إيران أن الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة باتت قادرة على تهديد قواعد ومنشآت عسكرية باهظة التكلفة، حتى من دون امتلاك قوة عسكرية تضاهي نظيرتها الأميركية.

صورة نشرتها «سنتكوم» لمقاتلة «إف 35» لحظة إقلاعها من سفينة «يو إس إس بوكسر» الحربية التي تبحر في الشرق الأوسط

غير أن ذلك لا يعني تراجع أهمية القواعد العسكرية. فالقاذفات بعيدة المدى والقوات البحرية تحتاج بدورها إلى الإمداد، والصيانة، والاستطلاع، والتزوّد بالوقود. ولذلك، قد يتركز النقاش على إعادة توزيع الأصول العسكرية، وتحصينها، وتعديل مهامها، مع تعزيز دور الشركاء الإقليميين، بدلاً من الانسحاب الشامل والفوري من القواعد البرية.

وتبقى حماية إمدادات الطاقة وحرية الملاحة من دوافع استمرار الانخراط الأميركي في المنطقة، إذ يمكن أن تنعكس اضطرابات الإمدادات العالمية على الأسعار التي يدفعها المستهلك الأميركي، رغم ارتفاع الإنتاج المحلي. ومن هذا المنظور، تتداخل المواجهة مع إيران وأمن الممرات البحرية ضمن حسابات استراتيجية مترابطة.

مروحية تقلع من على سطح المدمّرة «رافائيل بيرالتا» في مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)

وفي تحديد ملامح هذا الحضور العسكري، لا يقتصر دور الكونغرس على صلاحياته المرتبطة بالحرب، بل يمتد إلى تمويل الدفاعات، والذخائر، والتدقيق في تكلفة الانتشار، والموازنة بين متطلبات الأمن في الشرق الأوسط وأولويات الاستعداد للمنافسة مع الصين. كما يستطيع إخضاع خيارات الإدارة للمساءلة، وطرح بدائل تتجاوز ثنائية الإبقاء على الانتشار العسكري بشكله الحالي، أو الانسحاب الكامل من المنطقة.

وقد يتمحور الخلاف بعد الانتخابات حول شكل الوجود الأميركي، وتكلفته، ومدى انكشافه على التهديدات، وكيفية الموازنة بين الردع والضغوط الاقتصادية، وتعزيز قدرات الشركاء المحليين. وقد يغيّر الكونغرس الجديد الوزن النسبي لهذه الأدوات، وأولويات تمويلها، من دون أن يلغي الحاجة إلى الجمع بينها.

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · إيلي يوسف

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira