تحذيرات من انزلاق الوضع في فرنسا إلى مواجهات بين مجموعات أقصى اليمين وأقصى اليسار

ثمة في فرنسا مَن لا يتردد في التحذير من الحرب الأهلية؛ فالنائب اليميني والمرشح الرئاسي نيكولا دوبان إينيان طرح الصوت منذ 11 الشهر الحالي، حين اعتبر أن العنف الذي رافق الحراك الطلابي «بداية لحرب أهلية». وتبعه جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي اتهم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد بـ«الدفع نحو الحرب الأهلية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلتقي ضباطاً وأفراداً من الشرطة في مرسيليا (أ.ف.ب)

ومن جانبه، دق دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء الأسبق والمرشح أيضاً للانتخابات الرئاسية، ناقوس الخطر، في مقابلة تلفزيونية مساء 21 أكتوبر (تشرين الأول)، بتأكيده أن الحرب الأهلية «تطرق أبواب فرنسا». وثمة أصوات أخرى عديدة حذرت من هذا الانزلاق الذي تربطه بالأجواء العامة المتشنجة في البلاد التي تعاني من تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما السلطات بقيت عاجزة، حتى اليوم، عن إطفائها.

وحذر إيمانويل ماكرون من استهداف النظام الديمقراطي الذي تعيش فرنسا في ظله، وقال ما حرفيته، ليل 22 أكتوبر: «لقد شهدنا في آنٍ واحد أعمالاً ذات طابع سياسي، بل حتى أعمالاً تحريضية تهدف إلى تقويض النظام الجمهوري، نفّذتها جماعات منظّمة من اليسار المتطرف تسعى إلى إسقاط الجمهورية».

ومن جانبه، ندد رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو، خلال جلسة صاخبة للجمعية الوطنية، هذا الأسبوع، بـ«الأجواء بالغة السوء والمثيرة للاشمئزاز» المهيمنة على البلاد، معتبراً أنها «لا تبشر بأي خير» فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية. والسؤال المطروح اليوم يدور حول ما إذا كانت العناصر المفضية إلى حرب أهلية أصبحت متوافرة أم لا، الأمر الذي يبرر التحذيرات الآتية من آفاق مختلفة.

الشرطة في أحد شوارع مرسيليا حيث أضرم محتجون ناراً (رويترز)

بذور المواجهات متوافرة

عناصر الجواب يمكن تلمسها في كتابات باربرا والتر، عالمة الاجتماع السياسي والأستاذة في جامعة كاليفورنيا التي تدور أبحاثها حول الحروب الأهلية والعنف السياسي ومخاطر زعزعة استقرار الأنظمة الديمقراطية. وأهم كتبها، في هذا السياق، عنوانه: «كيف تبدأ الحروب الأهلية وكيف يمكن إيقافها؟» الصادر في عام 2022.

وترى والتر أن الحروب الأهلية الحديثة لا تندلع بالضرورة بانقلاب عسكري أو بتمرّد مسلّح؛ فثمة ثلاث آليات قد تسهم في اندلاعها، حتى في البلدان الديمقراطية ذات المؤسسات العريقة: تآكل الديمقراطية، والاستقطاب القائم على الهوية، وتشكّل جماعات متطرفة تُضفي الشرعية على العنف. كما تشير إلى أهمية الشعور بالتراجع في المكانة الاجتماعية، وإلى الدور الذي تؤديه شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها عاملاً مضخّماً لهذه الظواهر.

بعض هذه العناصر متوفرة اليوم في فرنسا، فثمة فئات شعبية تجد نفسها مهمشة اجتماعياً واقتصادياً. وهناك حالة من الانطواء خصوصاً لدى بعض فئات المهاجرين، كما أن السلطات تحمّل شبكات التواصل الاجتماعي بعض المسؤولية مما جرى في فرنسا؛ من تعبئة وعنف وأعمال شغب على هامش المظاهرات المتلاحقة منذ ما يزيد على الشهر.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حديث صحافي لقناة يوتيوب دعا خلاله الطلاب إلى العودة الهادئة إلى صفوف الدراسة (أ.ف.ب)

بيد أن الأخطر من ذلك يتمثل في وجود مجموعات بالغة التطرف أقرب إلى الميليشيات يميناً ويساراً. وشهدت أيام التعبئة التي انطلقت مع حراك طلاب التعليم الثانوي، منتصف الشهر الماضي، الكثير من العنف، وبلغت الاحتجاجات ذروتها مع «السبت الأسود» - 17 أكتوبر (تشرين الأول) - الذي عرف نزول مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع في غالبية المدن الفرنسية الكبيرة والمتوسطة. والأهم أن ساحاتها وشوارعها تحولت إلى ميادين كر وفر بين القوى الأمنية ومجموعات من المشاغبين والغوغائيين الذين عاثوا خراباً؛ فأشعلوا الحرائق وأقاموا المتاريس وتبعهم السارقون الذين سطوا على 3 آلاف محل تجاري.

ولخّص فابيان نامياس، مدير القناة الإخبارية «بي إف إم» المناخ الاجتماعي بقوله: «لم يسبق لي أن شهدت مناخاً بهذه الدرجة من الاحتقان، والعنف، والوحشية، والانقسام».

ولم يتردد لوران نونيز، وزير الداخلية، في القول إن القوى الأمنية «فقدت السيطرة على الوضع»، خلال «السبت الأسود».

متظاهر يرمي قنبلة مسيلة للدموع في اتجاه أفراد من الشرطة في مرسيليا (رويترز)

مجموعات المتطرفين يميناً ويساراً

التخوف الكبير أن يكون ما جرى حتى اليوم ليس سوى البداية. من هنا، ترأس ماكرون اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه استدراكاً لما هو منتظر السبت المقبل وما بعده.

والثابت أن «الخريف الساخن» قد انطلق. فـ«السبت الأسود» تلاه سبت آخر لم تضعف فيه التعبئة الطلابية والشعبية. والمناخ السياسي والاجتماعي متوتر، وما يفاقم خطره تداخلُ المطالب وتكاثر التظلم وعجز الدولة عن الاستجابة لها. والدليل على ذلك أن ما اقترحته الحكومة على طلاب التعليمين الثانوي والجامعي، رداً على مطالبهم ورغبة منها في تحييدهم عن الحراك العام اعتبر «غير كاف»، وبالتالي فإنهم مستمرون في تحركهم.

وجاء هذا الرد على دعوة الرئيس ماكرون، الأربعاء، لطلاب التعليم الثانوي بالعودة إلى صفوفهم بعد انتهاء العطلة الحالية يوم الاثنين المقبل. بيد أن ما يثير القلق ويعيد لما أبرزته باربرا والتر، ما حصل على هامش المظاهرات الأخيرة فيما لا يقل عن عشر مدن، وكذلك جريمة إطلاق الرصاص «الإرهابية والعنصرية» التي ارتكبها مواطن فرنسي في مدينتي «تراب» و«فيريير» الواقعتين على مدخل باريس الغربي، وقُتل خلالها شاب أسود عمره ستة وعشرون عاماً وجرح خمسة بينهم صبية 12 عاماً من المغاربيين.

يضاعف القلق، ما حصل السبت الماضي على هامش يوم التعبئة، فقد أكدت الشرطة أنها رصدت ظاهرة جديدة تمثلت في مواجهات بين مجموعات منظمة من اليمين المتطرف ونشطاء من اليسار المتطرف في عدد من المدن. وقال وزير الداخلية لوران نونيز في وقت سابق: «كنا نعلم أن العديد من الحركات القومية والمرتبطة بالهوية دعت إلى النزول إلى الشوارع رسمياً بهدف الدفاع عن المتاجر... وقد وصلت في تشكيلات منظمة، كما في مدن مثل نيس ومونبيله، وكان هدفها الأساسي استهداف حركة اليسار المتطرف».

من مظاهر الاشتباكات في مدينة مرسيليا الساحلية وتظهر في الصورة مصفحة «سانتوس» لجهاز الدرك وهي مجهزة للتعامل مع عنف المظاهرات (أ.ف.ب)

وبينت الصور التي نقلتها شبكات التلفزة العنف المفرط لهذه المجموعات المتموضعة على أقصى اليمين واليسار. ويمكن ترقب عودتها إلى المواجهات في الأسابيع المقبلة بالنظر إلى الأجندة المزدحمة للحراك الطلابي والاجتماعي، فتنسيقية «السترات الصفراء» دعت إلى حراك يومي 30 و31 أكتوبر سيتبعه في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) دعوة الأكثرية الساحقة من النقابات إلى يوم من المظاهرات والإضرابات في القطاعين العام والخاص. وفي 19 نوفمبر، سينزل المتقاعدون إلى الشوارع للدفاع عن مرتباتهم التقاعدية، وصد خطط حكومية لاقتطاع بعض منها. وبعدها سيحل دور رجال الإطفاء الغاضبون من تجاهل الدولة لتضحياتهم الصيف الماضي في محاربة الحرائق. والحبل على الجرار.

اتهامات متبادلة

يتبادل حزبا «التجمع الوطني» اليميني المتطرف وحزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، الاتهامات، علماً بأن مرشحيهما للانتخابات المقبلة «مارين لوبان وجان لوك ميلونشون» هما الأكثر ترجيحاً للتوصل إلى جولة الإعادة الرئاسية. وقال سيباستيان شينو، عن حزب «التجمع الوطني» إن حزب «(فرنسا الأبية) يصب الزيت على النار ويغذي اليسار العنيف الذي تلتف حوله مجموعات من الغوغائيين القادمة من الضواحي للعبث بوسط المدن».

ومن جانبه، يرد اليسار المتشدد باتهام الطرف الآخر بتهيئة المناخ الهيستيري والعنصري الذي يوفر الأجواء لقيام عمليات قتل كالتي حصلت مؤخراً. وذهب الحزب المذكور إلى اتهام قوى الأمن بغض النظر، بل حماية مجموعات اليمين المتطرف الأمر الذي ينفيه وزير الداخلية بشدة.

وأظهرت مقاطع فيديو مجموعات يمينية متطرفة تهاجم أشخاصاً في عدة مدن مثل نيس وروان ونانسي ومونبلييه، فيما فتح القضاء تحقيقات جنائية في عشر حالات، كما تم القبض على 11 شخصاً في نيس أحيلوا على المحاكمة.

إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

حتى وقت قريب، كانت المجموعات المسماة «بلاك بلوك» اليسارية المتطرفة، المسؤولة عن الاشتباكات وأعمال العنف مع القوى الأمنية، هي التي تسلط عليها الأضواء. لكن ما حصل السبت الماضي عدل الصورة مع تحرك المجموعات اليمينية.

وعند الحديث عن «حرب أهلية»، فالمقصود تحديداً أن تتحول شوارع المدن الفرنسية إلى ساحات حرب بين المتطرفين من الجانبين. وما جرى في المدن المذكورة ليس سوى عينة مما قد يحصل لاحقاً بالنظر لتواصل الحراك الاجتماعي وما يصاحبه من مظاهرات وتجمعات ما يوفر الفرصة لأعمال العنف متعدد الأشكال. ولا شك أن اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية «بعد أقل من 200 يوم» يعد عاملاً مؤججاً لمزيد من العنف، خصوصاً إذا بقي التنافس محصوراً بين لوبان وميلونشون. من هنا، فإن دور القوى الأمنية أساسي لاحتواء وملاحقة المسؤولين عنه اليوم قبل أن تستفحل ظاهرته.

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira