لا تقتصر دلالات إقالة حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات العراقي وتولي رئيس الوزراء علي الزيدي المنصب بنفسه على تغيير في أحد أبرز الأجهزة الأمنية في البلاد، بل تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن توزيع المناصب الحساسة بين القوى السياسية، وحدود نفوذها داخل المؤسسات الأمنية.

وتولى الزيدي، مساء يوم الخميس، الموقع الحساس في البلاد بعد 3 أيام من قراره إعفاء الشطري، الذي تولى المنصب في ديسمبر (كانون الأول) 2024، إذ كلفه بالمنصب حينها رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني خلفاً لرائد جوحي.

وربطت الحكومة قرار الإعفاء بما وصفته باستكمال السيادة ومواجهة التحديات الإقليمية، من دون أن تقدم تفاصيل عن طبيعة هذه التحديات أو المدة التي سيستمر فيها تولي الزيدي إدارة الجهاز.

وتبدو الخطوة أقرب إلى إجراء استثنائي في إدارة المؤسسة الأمنية، لكنها تحمل في الوقت نفسه أبعاداً سياسية تتجاوز مسألة تغيير رئيسها.

وفي حين أعلن الزيدي أن جهاز المخابرات «لجميع العراقيين»، وأنه ينبغي إبعاده عن المحاصصة الحزبية والفئوية والطائفية، فإن توليه رئاسته بنفسه، بدلاً من تعيين رئيس جديد، يترك المنصب خارج التوزيع السياسي الذي كان يُفترض أن يشمله، على الأقل وفق التفاهمات غير المكتوبة بين القوى المشاركة في الحكم.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

هيكلة أمنية

تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» إن جهاز المخابرات أصبح، في إطار التفاهمات المتعلقة بتوزيع المناصب، من حصة العرب السنة، وإن بقي هذا الترتيب من دون ترجمة فعلية إلى تولي شخصية سنية رئاسته.

وأوضحت المصادر أن تولي الزيدي منصب رئاسة الجهاز قد يهدف إلى حماية الرئيس الجديد للمخابرات العراقية من الصراعات السياسية، في ظل أوضاع إقليمية متوترة، مشيرة إلى أن «خططه لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية تعرقل خطط الاستحواذ على الجهاز».

وتعاقب على إدارة الجهاز مسؤولون من أحزاب شيعية منذ 2003، باستثناء فترة قصيرة تولى فيها الضابط السابق محمد عبد الله الشهواني رئاسته، فيما شغل مسؤولون سنة مواقع مهمة في هيكليته، بينها منصب معاون رئيس الجهاز لشؤون العمليات الذي كان قد تعرّض لحملات تحريض من قِبل فصائل موالية لإيران.

وكان محيط مقر الجهاز في منطقة المنصور بالعاصمة بغداد قد تعرّض في مارس (آذار) 2026، إلى هجوم جوي بطائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل أحد ضباط الجهاز وإلحاق أضرار مادية داخل المقر.

وأشارت تقارير أمنية غير رسمية إلى وقوف فصائل مسلحة خارجة عن القانون وراء الهجوم، على خلفية التوتر الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة.

وقال سياسي سني، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجهاز يقع، وفق التقسيمة الطائفية والعرقية السائدة في بنية الحكم العراقي، ضمن حصة العرب السنة، مضيفاً أن هذا المكون «كثيراً ما ظلمته المحاصصة، لا سيما في المناصب الحساسة والأمنية»، معتبراً أن استمرار غيابه عن مواقع من هذا النوع يعكس فجوة بين الحديث عن المواطنة وتجاوز إرث الماضي من ناحية والممارسة السياسية من ناحية أخرى.

لكن السياسي نفسه فصل بين إقالة الشطري وتولي الزيدي إدارة الجهاز. وقال إن «تولي رئيس الوزراء إدارة الجهاز في المرحلة الحالية قد يحول دون انتقال الخلاف عليه إلى ساحة تنافس بين القوى السياسية». وأضاف أن فتح باب الترشيحات في ظل حدة الصراع على المنصب ربما كان سيحول دون التوصل إلى توافق بشأنه.

رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني مجتمعاً مع رئيس جهاز المخابرات السابق حميد الشطري في بغداد يوم 21 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«المخابرات» بين المركزية والمحاصصة

منذ 2003، لم يكن الجهاز بمنأى عن التداخل بين الاعتبارات المهنية والسياسية الذي طبع بناء مؤسسات الدولة العراقية. فالمناصب العليا، بما فيها الأجهزة الأمنية، ظلّت في حالات كثيرة موضع تفاوض وتنافس بين القوى السياسية، رغم اختلاف طبيعة هذه المؤسسات عن الهيئات المدنية.

يشير الباحث في الشؤون السياسية عباس عبود إلى أن بنية الدولة بعد عام 2003 شهدت تداخلاً بين الإداري والسياسي، أدى إلى تحجيم دور المؤسسات وإضعاف استقلالها.

وقال عبود لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التداخل أفضى إلى تنازع حزبي على المؤسسات، بدءاً من المواقع الإدارية وصولاً إلى الأجهزة ذات الطبيعة الأمنية الحساسة، مضيفاً أن جهاز المخابرات أصبح بدوره جزءاً من هذا التنافس، رغم تأكيدات رئيس الوزراء ضرورة إبعاده عن المحاصصة.

تبرز هنا مسألة تتعلق بمدى قدرة الزيدي على تحويل توليه الجهاز إلى خطوة نحو إعادة ضبط العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسات الأمنية. فاستحداث مكتب للقائد العام للقوات المسلحة، وإسناد إدارته إلى وزير الداخلية السابق الفريق عبد الأمير الشمري، يعكسان توجهاً معلناً نحو تجميع الإشراف على المنظومة الأمنية تحت قيادة رئيس الوزراء. غير أن توسيع الإشراف المركزي لا يعني بالضرورة تعزيز الاستقلال المهني للمؤسسات، ما لم يقترن بقواعد واضحة للتعيين والمساءلة وتحديد الصلاحيات، وفق مراقبين.

وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، طالب محمد كريم، إن تحصين العراق من الصراعات الإقليمية والدولية يتطلّب جهاز مخابرات قادراً على قراءة المشهد الاستراتيجي واستشراف اتجاهات الصراع وانعكاساتها على الأمن والسيادة والمصالح الاقتصادية.

وشدد كريم، في حديث مع «الشرق الأوسط»، على أن تحقيق ذلك يتطلّب استقلالاً مهنياً عن التجاذبات الحزبية، وتنسيقاً مع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب قيادة تمتلك الصلاحية والرؤية لإدارة الجهاز وفق مقتضيات المصلحة الوطنية، وليس حسابات القوى السياسية.

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira