بعد أكثر من عقد ظل فيه دونالد ترمب في قلب الحياة السياسية الأميركية، يبدو أن غالبية الناخبين باتوا يشعرون بالإرهاق والاستياء منه، وفقاً لاستطلاع «أسوشييتد برس لتصويت الناخبين» الذي شمل ناخبين في انتخابات التجديد النصفي في الولايات الأميركية الخمسين.

وأثّر إخفاق ترمب في الوفاء بتعهدات انتخابية رئيسية، وفي مقدمتها وعوده بكبح التضخم الذي تفاقم بدلاً من أن يتراجع، بوضوح على مرشحي حزبه الجمهوري في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، الثلاثاء. ويُظهر الاستطلاع أن الناخبين رأوا عموماً أن ترمب أكثر انشغالاً بثروته الشخصية ونمط حياته المترف، الذي يطغى عليه الذهب، من اهتمامه باحتياجاتهم.

كما أسهم ترمب في صعود مرشحين شابتهم عيوب واضحة، على حد تعبير «أسوشييتد برس» ما زاد من صعوباتهم في عام انتخابي كان صعباً أصلاً. وفي مقابلة أجراها مساء الثلاثاء مع شبكة «فوكس نيوز»، أشار ترمب إلى أن الديمقراطيين «خاضوا المعركة بقوة»، وأن القاعدة الجمهورية «لم تحب المرشحين» الذين أيدهم، لأن بعض اختياراته لم تكن موالية له بالكامل.

ناخبون يدلون بأصواتهم بأحد مراكز الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي في ساوث بورتلاند بولاية مين (أ.ف.ب)

لكن الاستطلاع يتضمن أيضاً رسالة تحذير جدية للديمقراطيين. فكثير من الناخبين لا يحبذون الحزب، ورغم تقدمه في قضايا رئيسية، مثل الاقتصاد، فإن الفارق بينه وبين الجمهوريين لا يزال محدوداً نسبياً. وقال نحو 7 من كل 10 ناخبين إن الكونغرس لا يبذل ما يكفي لتوفير آليات الرقابة والتوازن في مواجهة الرئيس، ما يضع سقفاً للتوقعات المعلقة على الديمقراطيين الذين استعادوا السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.

التضخم يوجه ضربة للجمهوريين

لم يكن في وسع مرشحي الحزب الجمهوري تجنب تداعيات التضخم، إذ كان الناخبون يلمسون أثره بوضوح في فواتير مشترياتهم من متاجر البقالة ومحطات الوقود. كما كان العبء المالي الناجم عن إصلاح السيارات أو فواتير الخدمات بعد صيف شديد الحرارة أمراً لا يمكن تجاهله. وحتى في معاقل جمهورية مثل ولاية تكساس، أسهم تأثير التضخم في تعزيز موقف الديمقراطيين.

وقال نحو اثنين من كل عشرة ناخبين في تكساس إن التضخم تسبب في «معاناة شديدة» لهم ولأسرهم، وصوّت نحو ثلاثة أرباع هذه الفئة لمصلحة المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو في انتخابات مجلس الشيوخ. كما قال نحو 6 من كل 10 ناخبين إن التضخم تسبب لهم في «معاناة متوسطة»، وفاز تالاريكو أيضاً بأغلبية أصوات هذه الفئة.

وتكرر النمط نفسه في ولاية تلو الأخرى. وعلى المستوى الوطني، قال الناخبون الذين أعربوا عن «قلق بالغ» إزاء تكاليف الحياة اليومية، بما في ذلك المواد الغذائية والرعاية الصحية والوقود، إنهم صوّتوا بأغلبية ساحقة للمرشح الديمقراطي في دوائرهم المحلية لانتخابات مجلس النواب.

ولم يكن التضخم وحده هو العامل المؤثر، إذ حمّل ناخبون في مختلف أنحاء البلاد ترمب مسؤولية ارتفاع الأسعار، بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها، والحرب مع إيران، وإخفاقه في الوفاء بتعهده الانتخابي قبل عامين بخفض الأسعار.

وعندما سُئل الناخبون عن تأثير سياسات ترمب، قال نحو ثلثيهم على مستوى البلاد إنها جعلت الاقتصاد أسوأ. ومن بين هذه الفئة، صوّت نحو 8 من كل 10 ناخبين لمصلحة المرشح الديمقراطي.

الفساد في صدارة مخاوف الناخبين

وقال أكثر من نصف الناخبين في أنحاء البلاد إن الفساد الحكومي كان عاملاً «حاسماً» في تصويتهم لانتخابات الكونغرس. وتجاوزت هذه النسبة بقليل نسبة الناخبين الذين عدوا تكلفة المعيشة عاملاً «حاسماً»، وهي نتيجة لافتة في عام قال فيه نحو 6 من كل 10 ناخبين إنهم يشعرون بقلق بالغ إزاء تكلفة الطعام والمواد الغذائية.

وفي المقابل، وعلى الرغم من إشارة الجمهوريين إلى أن الناخبين لا يولون اهتماماً كبيراً لتحقيق ترمب أكثر من مليار دولار العام الماضي من العملات الرقمية والعملات المشفرة، رأى معظم الناخبين أن الرئيس منشغل بمصالحه الشخصية إلى حد الهوس.

وخلال ولايته الثانية، طلب ترمب تبرعات من شركات كبرى لبناء قاعة الاحتفالات التي يريد إقامتها في البيت الأبيض، بعدما فاجأ البلاد بهدم الجناح الشرقي للمبنى بسرعة.

وامتد هذا النهج من قمة السلطة إلى الصفقات التجارية الخاصة بأفراد عائلته، فضلاً عن صفقات أخرى أبرمها مقربون منه، وشملت قضايا العفو الرئاسي والسياسات الفيدرالية.

وفي المحصلة، قال نحو ثلثي الناخبين إن ترمب لا يضع الأولويات الصحيحة، وأيدت الغالبية الساحقة من هؤلاء المرشحين الديمقراطيين لمجلس النواب.

الناخبون يريدون كونغرس أكثر حزماً

على مدى معظم العامين الماضيين، تصرف ترمب بصورة منفردة، فيما لم يُبدِ كثير من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ اللذين يسيطر عليهما الجمهوريون، اعتراضاً يُذكر على قراراته.

فقد سرّح موظفين فيدراليين، وفرض رسوماً جمركية جديدة واسعة النطاق، وأطلق الحرب مع إيران، وأدخل تعديلات على معالم في واشنطن باستخدام الطلاء الذهبي، وهدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ومركز كينيدي الثقافي، ومؤسسة سميثسونيان، كما مارس ضغوطاً على عدد كبير من الحلفاء القدامى.

لكنّ الناخبين أوضحوا أنهم يريدون رقابة برلمانية أكبر على السلطة التنفيذية.

وقال نحو 7 من كل 10 ناخبين إن الكونغرس لا يفعل ما يكفي لتوفير آليات الرقابة والتوازن في مواجهة الرئاسة، وشمل ذلك نحو 4 من كل 10 ناخبين جمهوريين.

الناخبون المتأرجحون لا يؤيدون الديمقراطيين بحماسة

على الرغم من انتصارات الديمقراطيين، لم يمنحهم الناخبون تأييداً واسعاً بوصفهم حزباً. فقد عبّر كثيرون عن إحباطهم من الحزبين معاً، إذ قال نحو اثنين من كل عشرة ناخبين إن أياً من الحزبين لا يمتلك قدرة أفضل على التعامل مع قضايا الاقتصاد والسياسة الخارجية والرعاية الصحية والضرائب والهجرة. وارتفعت هذه النسبة أكثر فيما يتعلق بمعالجة الفساد الحكومي والذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، صوّت هؤلاء الناخبون المتشككون عموماً لمصلحة الديمقراطيين.

لكن ذلك لم يكن نتيجة الشعبية الكبيرة للحزب. فلم يكن لدى سوى نحو نصف الناخبين نظرة «إيجابية إلى حد ما» أو «إيجابية بشدة» تجاه الحزب الديمقراطي. ورغم أن هذه النسبة تجاوزت نسبة من ينظرون بإيجابية إلى الحزب الجمهوري، والبالغة نحو 4 من كل 10 ناخبين، فإن الفارق لم يكن كبيراً. كما أعرب نحو اثنين من كل عشرة ناخبين صوّتوا للمرشحين الديمقراطيين عن نظرة سلبية إلى الحزب ككل.

وبدلاً من ذلك، بدا أن الناخبين في السباقات الرئيسية كانوا يبحثون عن التغيير من خلال المرشحين الديمقراطيين. ففي ولاية مين، على سبيل المثال، اختار معظم الناخبين الذين قالوا إن امتلاك المرشح «الخبرة المناسبة» هو العامل الأهم في قرارهم بشأن انتخابات مجلس الشيوخ، السيناتورة الجمهورية الحالية سوزان كولينز. لكنّ عدداً أكبر من الناخبين أعطى الأولوية لإحداث «التغيير المطلوب»، واختار المرشح الديمقراطي تروي جاكسون.

الجمهوريون اختاروا مرشحين ضعفاء

أيّد ترمب مرشحين جمهوريين لم يحظوا بقبول الناخبين، ما عرّض مناطق كانت تُعد في السابق معاقل آمنة للحزب الجمهوري للخطر.

فبعد وفاة السيناتور ليندسي غراهام، من ولاية ساوث كارولاينا، في يوليو (تموز)، اختار الرئيس شقيقة السيناتور الراحل، دارلين غراهام، لشغل مقعده. وسرعان ما قررت السيناتورة الجديدة خوض الانتخابات للاحتفاظ بالمقعد، لكنها واجهت صعوبات في الإجابة عن أسئلة تتعلق بالسياسة الخارجية، التي كانت من أبرز مجالات خبرة شقيقها.

وقال نحو 6 من كل 10 ناخبين في سباق مجلس الشيوخ بولاية ساوث كارولاينا إنها تفتقر إلى الخبرة اللازمة للعمل في المجلس.

وخلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في تكساس، أيّد ترمب في نهاية المطاف المدعي العام للولاية، كين باكستون، على حساب السيناتور الجمهوري الحالي جون كورنين. وكان باكستون متورطاً في فضائح، كما خضع لإجراءات عزل، لكنه لم يُدن. وقال نحو ثلثي الناخبين في سباق مجلس الشيوخ بتكساس إنه يفتقر إلى الشخصية المناسبة لشغل مقعد في المجلس.

وأعطى ترمب الأولوية للولاء عند اختيار المرشحين الجمهوريين، وهو ما أضر بمرشحي الحزب في ولايات عدة.

ففي ولاية كارولاينا الشمالية، كما في ولايات أخرى، قال نحو 6 من كل 10 ناخبين إن مرشح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ، مايكل واتلي، كان «مؤيداً أكثر من اللازم» لترمب. واختار هؤلاء حاكم الولاية السابق، الديمقراطي روي كوبر، لتمثيلهم في مجلس الشيوخ بدلاً منه.

اقرأ أيضاً

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira