بعد مقتل ابنتها أمام عينيها: "جيش من امرأة واحدة تحارب النظام الإيراني"
- Author, فريق بي بي سي بانوراما
Published 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، 18:24 GMT
آخر تحديث قبل 2 دقيقة
مدة القراءة: 6 دقائق
تحذير: محتوى مؤلم ولغة قاسية
لم تكن سميرة تكترث لأمر السياسة من قبل.
قالت لبرنامج "بي بي سي بانوراما": "كنت أعمل في مجال المبيعات في إيران، إذ كنت أبيع مستحضرات التجميل". كان هذا قبل اليوم الذي قُتلت فيه ابنتها الوحيدة أمام عينيها برصاص قوات الأمن الإيرانية، لتتغير حيتها منذ ذلك الحين.
كانت "سيفدا"، البالغة من العمر ستة عشر عاماً، تشارك في احتجاجات ضد النظام الإيراني القمعي - التي اجتاحت البلاد في وقت سابق من هذا العام - قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية واسعة النطاق أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي.
وأضافت سميرة أن حزنها تحول إلى غضب عارم عندما عمدت السلطات الإيرانية إلى عرقلة جهودها للعثور على جثمان ابنتها، بدلاً من مساعدتها.
وقالت: "أدركت حينها أن العثور على سيفدا ليس النهاية، بل مجرد بداية لسلسلة من المضايقات التي تعرضتُ لها على أيديهم".
في ضوء هذا الوضع، لاذت سميرة بالفرار من إيران في رحلة محفوفة بالمخاطر، قطعتها سيراً على الأقدام عبر تضاريس جبلية وعرة. وهي الآن تعيش في الخفاء بالخارج، واصفة نفسها بأنها "جيش مكوّن من امرأة واحدة تحارب النظام".
وسعياً منها لتحقيق المساءلة والعدالة بعد مقتل ابنتها، عقدت سميرة العزم على كشف أسماء عناصر قوات الأمن والمسؤولين الذين تعتقد أنهم مسؤولون عن إطلاق الرصاص القاتل خلال الاحتجاجات.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
الأكثر قراءة
الأكثر قراءة نهاية
قالت سميرة: "سيدفعونني إلى حافة الموت قبل أن يقتلوني، لكن العثور عليّ لن يكون بالأمر الهين... كيف أعود إلى الحياة الطبيعية؟ لا مجال للعودة إلى الوراء".
سميرة واحدة من بين إيرانيين عدة تحدثت إليهم بي بي سي منذ مطلع العام. وقد صرح بعضهم - ممن لا يزالون داخل البلاد - بأنهم أرادوا التحدث علناً رغم المخاطر، مشيرين إلى أنهم وجدوا صعوبة بالغة في التشبث بالأمل بعد القمع الوحشي للاحتجاجات الحاشدة.
من جانبها، صرحت السفارة الإيرانية في لندن لـ "بي بي سي بانوراما" بأن الاحتجاجات السلمية والمشروعة قد اختطفتها قوى خارجية على رأسها الولايات المتحدة، التي اتهمتها السفارة بالتحريض على العنف، وتوفير الأسلحة والمعدات، وتقويض الأمن العام.
"لم أستطع حتى الصراخ"
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
قُتلت سيفدا في التاسع من يناير/كانون الثاني، حين كانت تشارك - إلى جانب سميرة - في مظاهرات حاشدة على مشارف العاصمة طهران، كانت قد اندلعت في الشهر السابق.
وقد خرجت تلك الاحتجاجات منددة بسوء الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتصاعد وتيرتها وتتحول إلى مطالبات بإنهاء حكم "الجمهورية الإسلامية" في البلاد.
وعلى الرغم من أن سميرة تنفي اهتمامها بالسياسة آنذاك، إلا أنها تؤكد أن ابنتها كانت كذلك.
كانت سيفدا تتخذ من شابتين أخريين قدوةً لها، هما: مهسا أميني، التي توفيت أثناء احتجازها على خلفية مزاعم بمخالفتها قواعد ارتداء الحجاب الإلزامي وفجرت وفاتها احتجاجات واسعة؛ ونيكا شاكرمي، التي قُتلت خلال انتفاضة تلت ذلك ضد قواعد الزي الإسلامي الصارمة المفروضة على النساء في إيران.
قالت سميرة: "لقد أبقت ذكراهما حية في أفكارها، وكانت دائماً ترغب في مواصلة نهجهما [في المقاومة]".
في اليوم السابق لمقتل سيفدا، كان عدد المحتجين كبيراً بشكل لافت. وتذكر سميرة أنها وسيفدا استجابتا لدعوة أطلقها رضا بهلوي - نجل آخر شاه لإيران الذي يعيش في المنفى - للخروج في مظاهرات.
وأضافت: "كانت قوات الأمن قد فقدت السيطرة".
أشارت سميرة إلى أن تزايد أعداد المحتجين أثار ذعر الحكومة الإيرانية التي أصدرت في اليوم التالي أوامر بإطلاق النار بهدف القتل؛ لكن سميرة ظنت حينها أنه تهديد أجوف، قائلة: "لقد كذبوا كثيراً في إيران... لم نكن نتخيل وقوع مذبحة بهذا الحجم".
وأشارت إلى أنهم استمدوا الطمأنينة من وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعمهم والوقوف إلى جانبهم.
ففي الثامن من يناير/كانون الثاني، صرح ترامب لوسائل إعلام أمريكية قائلاً: "لقد أبلغتُ [السلطات الإيرانية] بأنهم إذا بدأوا في قتل الناس - وهو أمر اعتادوا فعله خلال الاضطرابات - فإننا سنرد عليهم بقوة شديدة".
ومع ذلك، تذكر سميرة أن أعداد الحشود بدت أقل في اليوم التاسع من الشهر.
ويبدو أن سيفدا كانت تدرك حجم المخاطر؛ فقد خلعت أقراطها وأعطتها لجدتها، كما شاركت سميرة رمز الدخول الخاص بهاتفها.
انضمت الأم وابنتها إلى بقية المحتجين، ثم صعدت سيفدا فوق صندوق قمامة وبدأت في قيادة الهتافات.
وصفت سميرة المنطقة التي كانتا فيها قائلة: "بدا وكأن عدد عناصر القوات الأمنية يفوق عدد المدنيين. لا أعرف كيف تمكنوا في غضون يوم واحد من حشد كل هؤلاء من عناصر 'الباسيج' وقوات 'الحرس الثوري'".
يُذكر أن "الحرس الثوري" يتولى حماية النظام الإسلامي في البلاد، بينما تُعد "قوات المقاومة الشعبية" (الباسيج) تشكيلاً شبه عسكري يتألف من متطوعين يعملون تحت إمرة الحرس الثوري.
وأضافت: "أطلق قناصٌ النار من سطح مبنى يقع على يميننا. لا بد أن الرصاصة جاءت من ذلك السطح؛ فقد اخترقت قلبها. لم أستطع حتى الصراخ، بقيت متحجّرة في مكاني أحدق في 'سيفدا' التي خمد جسدها بلا حراك. كان الدم يتدفق بغزارة من فمها وأنفها. لم أستطع تصديق ما يحدث، لم أصدق أنها كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة. كانت عيناها شاخصتين نحوي".
تمكنت سميرة من نقل "سيفدا" إلى المستشفى، وقيل لها إن الأطباء يجرون لها عملية جراحية، لكن حين فُتِح الباب في وقت لاحق، فوجئت بأن "سيفدا" قد وُضعت داخل كيس مخصص للجثث.
صدر الصورة، Sisu Pictures Ltd
نُقل جثمان "سيفدا" بعيداً. وقالت سميرة إنها استغرقت أياماً للعثور على ابنتها مجدداً؛ إذ وجدت نفسها - كالكثيرين غيرها - في واحدة من أكبر مشارح طهران.
قالت باكية: "مراهقون.. فتيات وفتيان صغار. لقد قُتل الكثيرون منهم".
وأضافت: "كنت أموت مع كل كيس جثة أفتحه. لم أرَ في حياتي هذا العدد الكبير من الجثث، لكنني لم أستسلم".
في النهاية، عثرت سميرة على ابنتها؛ وتروي قائلة: "كانت هناك ثلاث جثث مكدسة فوق جثمان سيفدا، هكذا وجدناها".
أقرت السلطات الإيرانية آنذاك بمقتل أكثر من 3000 شخص خلال الاحتجاجات، لكنها زعمت أن بعضهم كانوا من عناصر قوات الأمن. وفي المقابل، تقدر منظمة "هرانا" الحقوقية عدد القتلى بأكثر من 7000 شخص، تقول إن معظمهم من المحتجين.
وكان عثور سميرة على جثمان ابنتها بداية معركتها مع السلطات الإيرانية.
قالت إنها أُجبرت - لكي يُسمح لها باستلام الجثمان ودفنه - على الإقرار بأن "إرهابيين" - وليس قوات الأمن - هم المسؤولون عن مقتل سيفدا.
وأضافت: "لقد فعلوا ذلك للتغطية على ما ارتكبوه يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني، ولإخفاء العدد الحقيقي للقتلى. لقد أسكتوا العائلات بإجبارهم على الادعاء بأن أحباءهم قُتلوا على يد إرهابيين إسرائيليين أو أمريكيين".
وبعد كل هذا، أكدت سميرة أنها مُنعت من زيارة قبر ابنتها بعد مراسم الدفن، كما مُنعت من وضع شاهد على قبرها.
استمرت المضايقات تلاحق سميرة، على حد قولها؛ فقبل أيام قليلة من مراسم إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على وفاة سيفدا - وهي مناسبة ذات دلالة كبيرة في الثقافة الإيرانية - تلقت استدعاءً من فرع محلي لوزارة الاستخبارات.
"قالوا لي: (عليكِ أن تجري مقابلة معنا وتقولي إن 'سيفدا' كانت تنتمي لقوات 'الباسيج'، وإنها قُتلت على يد المحتجين. وحينها سنعلن أنها 'شهيدة'، وستحصلين في المقابل على امتيازات، أو منزل، أو أي شيء تطلبينه)".
تعتقد سميرة أن هذا العرض كان نابعاً من خوف السلطات؛ بعد أن نقلت سميرة نبأ مقتل "سيفدا" إلى مؤسسة إعلامية إيرانية تتخذ من لندن مقراً لها، فور عودة خدمة الإنترنت في البلاد.
وقالت: "لقد أرعبهم تواصلي مع شبكات خارجية أو جهات خارج إيران".
ولتجنب إجراء تلك المقابلة، لاذت سميرة بالفرار من إيران بمجرد انتهاء مراسم الذكرى الأربعين لوفاة ابنتها، قائلة: "لم أرغب في المتاجرة بدم طفلتي".
ذكرت أن مهربي بشر ساعدوها على الهروب؛ إذ قطعت أنهاراً وعبرت جبالاً لتصل إلى بر الأمان.
وفي مقطع فيديو سجلته لنفسها أثناء رحلة هروبها، بدت عليها علامات الغضب العارم.
قالت أمام الكاميرا بينما كانت تسير في ممر جبلي محاذٍ لمنحدر سحيق: "هذه الحكومة اللعينة، هؤلاء الأوغاد. لقد ضيّقوا الخناق عليّ كثيراً".
قالت سميرة إنها بعد استمرارها في إجراء مقابلات مع وسائل إعلام أجنبية من الخارج، وُجِّهت إليها تهمٌ غيابية بارتكاب سلسلة من الجرائم، من بينها تهمة "الحِرابة" - أي شن حرب ضد الله - وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وفي ذكرى ميلاد "سيفدا" - التي كانت ستبلغ السابعة عشرة - نظّم أقاربها وأصدقاؤها وقفةً، تابعتها سميرة عبر بث مباشر من منفاها، "ثم انقطع البث فجأة" كما أخبرتنا.
علمت سميرة لاحقاً أن قوات الحرس الثوري الإيراني داهمت الفعالية واعتقلت عدداً من أفراد عائلتها وأصدقائها.
وأضافت أن السلطات حذرت عائلتها من أنهم إذا استمروا في التجمع عند قبر سيفدا، فسيُنبش قبرها ويُنقل رفاتها إلى مكان آخر.
والآن، تعمل سميرة على نشر أسماء أفراد من قوات الأمن ومسؤولين إيرانيين تعتقد أنهم مسؤولون عن إطلاق الرصاص القاتل خلال الاحتجاجات التي شاركت فيها هي وسيفدا يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني.
قالت: "أريد تحقيق العدالة على كل من أكشف عن اسمه؛ فقد قتلوا الكثير من الشباب. هدفي هو الكشف عن هوياتهم لتقديمهم للمحاكمة".
عندما عُثر لاحقاً على أحد الرجال الذين ذكرت سميرة أسماءهم عبر الإنترنت مقتولاً، عرض أحد مؤيدي النظام مكافأة قدرها 5000 دولار (3732 جنيهاً إسترلينياً) لمن يدلي بمعلومات عن مكان وجودها، مفترضاً أنها هي المسؤولة عن مقتله. ومنذ ذلك الحين، ذكرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أنه جرى اعتقال تسعة أفراد على صلة بهذا الحادث.
ورغم المخاطر، أكدت سميرة أنها ترفض البقاء في صمت، قائلة: "كل يوم وكل ثانية تمر دون سيفدا في غاية الصعوبة على نفسي. الأمر أشبه بأم فقدت قلبها وكيانها، بل وفقدت حياتها".
وأضافت: "لكن حقيقة أن سيفدا لم تعد تنبض بالحياة منحتني القوة لأقف على قدميّ... لأفكر في تكريم حياتها ومسيرتها... كل تلك الجثث التي رأيتها، وكل تلك الأكياس التي فتحتها بحثاً عن سيفدا؛ كل ذلك يدفعني لمحاربة الجمهورية الإسلامية حتى أنفاسي الأخيرة".
Source: BBC Arabic · فريق بي بي سي بانوراما
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇦🇪 AE
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira