حقّقت التماسيح، التي تشمل الأنواع المعاصرة من التماسيح والقواطير والكيمن والغاريالات، إلى جانب أقاربها الكثيرة المنقرضة، نجاحاً تطورياً لافتاً منذ ظهورها قبل أكثر من 240 مليون سنة. ويكشف بحث جديد عن أحد العوامل المهمة وراء هذا النجاح، وهو تمسّكها الشديد بالظروف المناخية الدافئة طوال تاريخها التطوّري.

وقال الباحثون إنّ هذه السمة قد تساعد في تفسير نجاة التماسيح على أنها مجموعة حيوانية، من تداعيات اصطدام الكويكب بالأرض قبل 66 مليون سنة، الذي أدّى إلى انقراض الديناصورات، إلى جانب خصائص فسيولوجية معينة جعلت هذه الزواحف قادرة على الصمود.

وظهرت السلالة التطوّرية للتماسيح، المعروفة باسم «أشباه السوكيات»، خلال العصر الترياسي، في أعقاب أسوأ موجة انقراض جماعي شهدتها الأرض، التي وقعت في نهاية العصر البرمي. وسبقت هذه السلالة ظهور الديناصورات والثدييات الأولى بملايين السنين.

وتتبّع الباحثون النطاق الجغرافي لانتشار التماسيح عبر تاريخها، مسترشدين بشجرة تطورية تضم أكثر من 400 نوع منقرض ومعاصر. واستخدموا بيانات مستمَدَّة من أكثر من 7 آلاف أحفورة، إلى جانب سجلات التوزيع الجغرافي للتماسيح الحديثة، ومنها القواطير في ولاية فلوريدا الأميركية، وتماسيح المياه المالحة في أستراليا، والغاريالات في الهند، وتماسيح الكيمن في البرازيل، وغيرها.

وجمع الباحثون هذه المعلومات مع 52 عملية لإعادة بناء المناخ القديم على مستوى العالم، لتحديد الظروف المناخية التي عاشت فيها التمساحيات عبر العصور. وبينما نجحت مجموعات أخرى، مثل الديناصورات والثدييات، في الوجود ضمن طيف واسع من الظروف المناخية، أظهرت الدراسة أنّ التماسيح حافظت باستمرار على وجودها في البيئات الدافئة.

في هذا السياق، قال عالم الحفريات المتخصص في الفقاريات بجامعة كوليدج لندن، والمؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن مجلة «ساينس أدفانسيز»، ألفيو أليساندرو كيارينزا، إن التماسيح لم تتكيّف باستمرار مع ظروف مناخية جديدة، بل اتّبعت إلى حدّ كبير البيئات الملائمة لها كلّما تغيّرت مواقعها الجغرافية؛ فتوسّعت باتجاه القطبين خلال الفترات الأكثر دفئاً، وانحسرت نحو خط الاستواء خلال الفترات الأكثر برودة.

وضرب كيارينزا مثالاً على ذلك بفترة شهدت ارتفاعاً استثنائياً في درجات حرارة الأرض قبل نحو 50 مليون سنة، إذ كانت التماسيح تعيش آنذاك في مناطق ذات خطوط عرض مرتفعة في أميركا الشمالية وأوروبا، بل حتى في القارة القطبية الجنوبية.

وقال كيارينزا: «يتمثّل أحد أكثر الأنماط إثارة للاهتمام في التوسّع المتكرر للموائل والبيئات الملائمة لهذه الحيوانات وانحسارها، استجابةً للتغيّرات التي طرأت على درجات الحرارة العالمية».

من جانبه، أوضح عالم الحفريات بجامعة كوليدج لندن والمشارك في إعداد الدراسة، فيليب مانيون، أن التماسيح الحيّة اليوم هي في الأساس حيوانات مفترسة تعيش في البيئات شبه المائية، بينما ضمّت أقاربها المنقرضة أنواعاً شديدة التنوّع.

وقال كيارينزا إن هذه المجموعة شغلت تقريباً كلّ دور بيئي يمكن تصوّره.

فقد كانت هناك مفترسات عاشت بالكامل على اليابسة، مثل «الفاسولاسوكس»، الذي بلغ طوله نحو 9 أمتار، وأنواع عاشبة ذات خطم قصير، مثل «سيموسوكس»، وأخرى مدرّعة تتغذّى على النباتات، مثل «الأيتوصور»، وأنواع تتغذّى على الرخويات، مثل «كوتاناكايمن»، وأخرى تقتات بترشيح الغذاء من الماء، مثل «موراسوكس»، فضلاً عن أنواع عاشت قرب المحيطات، مثل «ميتريورينكس».

وخلال عصر الديناصورات، عاشت أيضاً تماسيح شبه مائية، مثل «دينوسوكس»، الذي بلغ طوله نحو 40 قدماً (12 متراً)، وربما نافس الديناصور تيرانوصور في كتلة جسمه.

وقال كيارينزا إن التماسيح الحديثة ليست سوى بقايا ناجية من مجموعة تطورية كانت تتمتع في الماضي بتنوّع استثنائي.

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira