في تزامن سياسي نادر، يتوجَّه الإسرائيليون، الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع لتحديد مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قبل أقل من أسبوع من موعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) في اقتراعين منفصلين جغرافياً لكنهما متداخلان سياسياً، بعدما تحوَّلت الحروب في غزة وإيران، والعلاقة مع إسرائيل إلى قضايا خلافية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في ولاية ميشيغان التي تشهد واحدةً من أكثر المنافسات حساسيةً على مقاعد مجلس الشيوخ.
ولا تتعلق أهمية الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة إلى واشنطن بهوية رئيس الوزراء المقبل فحسب، بل بما إذا كانت نتائجها ستمنح الرئيس دونالد ترمب انتصاراً سياسياً يستطيع توظيفه في الأيام الأخيرة من حملته لإنقاذ الأغلبية الجمهورية، أم ستفتح نقاشاً أميركياً جديداً بشأن تكلفة التحالف مع نتنياهو، ومستقبل المساعدات العسكرية لإسرائيل.
وتبدو ميشيغان الاختبار الأكثر وضوحاً لهذا التداخل، حيث يخوض المرشح الديمقراطي، عبدول السيد، مواجهةً متقاربةً مع الجمهوري مايك روجرز، في ولاية تضم تجمعات عربية وإسلامية ويهودية مؤثرة، وتتصارع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الموقفين من إسرائيل والحرب الإيرانية.
ترمب ونتنياهو رهان انتخابي متبادل
بعد أسابيع من التردُّد، أعلن ترمب تأييده لنتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية، في خطوة فسَّرها مراقبون محاولةً لتعزيز موقع حليفه السياسي، رغم الخلافات التي ظهرت بين الجانبين بشأن الحرب مع إيران. وكشف موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين أميركيِّين، أن بعض مستشاري ترمب يرون فرصاً للتعاون مع حكومة إسرائيلية بديلة، بعدما أثارت تقديرات نتنياهو السابقة للحرب مع إيران شكوكاً لدى مسؤولين كبار في الإدارة، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس. ويعني ذلك أن البيت الأبيض يستعد لسيناريوهين: فوز نتنياهو بما يسمح لترمب بالمطالبة بنصيب من الفضل السياسي؛ أو صعود حكومة جديدة قد تمنح واشنطن مساحةً أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية.
ميشيغان والعلاقة مع إسرائيل
في الولايات المتحدة، تتجسَّد الانقسامات حول إسرائيل بصورة خاصة في سباق ميشيغان، حيث يقدِّم عبد السيد نفسه بوصفه صوتاً تقدمياً يرفض استمرار الدعم العسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل، بينما يدافع روجرز عن التحالف الاستراتيجي معها ويهاجم منافسه بسبب مواقفه من غزة وإيران.
وأظهرت استطلاعات حديثة تقدُّم عبد السيد بفارق محدود. ووفق استطلاع أجراه «ريد بوكس ريسيرش» بين 20 و23 أكتوبر (تشرين الأول)، حصل المرشح الديمقراطي على 48.9 في المائة مقابل 44 في المائة لروجرز، مع بقاء 7.1 في المائة من المشاركين مترددين أو مؤيدين لخيارات أخرى. ويظل السباق تنافسياً، مع ضرورة التعامل بحذر مع اختلاف منهجيات الاستطلاعات وهوامش الخطأ. وقد تحوَّلت قضية إسرائيل إلى محور رئيسي في المواجهة بين المرشحَين، بعدما اتهم روجرز منافسه بتبني مواقف متشددة تجاه الدولة العبرية، بينما انتقد عبد السيد النفوذ السياسي لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها «أيباك»، وربط بين الإنفاق الأميركي على الحروب الخارجية والاحتياجات الاقتصادية للأسر الأميركية. وأثارت هذه الرسائل انتقادات داخل الأوساط اليهودية الأميركية، إذ عدَّ بعض الناشطين أن تحميل المساعدات لإسرائيل مسؤولية الأزمات الاقتصادية الأميركية ينطوي على تبسيط مضلل، وقد يغذي صوراً نمطية معادية لليهود. وفي المقابل، يؤكد أنصار عبد السيد أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو جماعات الضغط السياسية لا ينبغي مساواته بمعاداة السامية.
أصوات العرب واليهود
وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن تحول لافت بين بعض الناخبين العرب الأميركيِّين الذين دعموا ترمب في انتخابات 2024 احتجاجاً على سياسة إدارة جو بايدن تجاه غزة، لكنهم باتوا يميلون إلى دعم عبد السيد، بوصفه مرشحاً يضع المصالح الأميركية والاحتياجات الداخلية في مقدمة أولوياته. وفي المقابل، أورد موقع «جويش إنسايدر» أن ديفيد كرامر، أحد أبرز جامعي التَّبرُّعات للديمقراطيين في ميشيغان، قرَّر التصويت لروجرز؛ بسبب اعتراضه على خطاب عبد السيد بشأن إسرائيل. وتعكس هذه الحالة انقساماً داخل القاعدة الديمقراطية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات انتقال واسع للناخبين اليهود إلى الجمهوريِّين.
وفي تجمُّع انتخابي بمدينة بورت هورون، صعَّد ترمب هجومه على عبد السيد، مستخدماً إشارات إلى «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» والتَّطرُّف الإسلامي، وموجهاً انتقادات حادة لليهود الذين يؤيِّدون المرشح الديمقراطي. وأثارت تصريحاته اتهامات بتوظيف الدين والهوية في المنافسة الانتخابية. غير أن تقريراً لوكالة «رويترز» من ديترويت أشار إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسكن بات يجمع ناخبين من خلفيات عربية ويهودية وسوداء، رغم خلافاتهم بشأن إسرائيل. وقد تكون القدرة على معالجة هذه الضغوط الاقتصادية أكثر حسماً من المواقف الخارجية لدى قطاعات واسعة من الناخبين.
3 سيناريوهات لتأثير النتائج الإسرائيلية
إذا احتفظ نتنياهو بالسلطة، فقد يستخدم ترمب النتيجة لتأكيد قوة تحالفه معه، وهو ما يمنح روجرز فرصةً لتعزيز رسالته لدى الناخبين المؤيِّدين لإسرائيل. لكن النتيجة نفسها قد تحفِّز معارضي الحرب والسياسات الإسرائيلية على التصويت لعبد السيد. أما إذا تقدَّم معسكر آيزنكوت ونجح لاحقاً في إزاحة نتنياهو، فقد يجد الديمقراطيون فرصةً للفصل بين دعم أمن إسرائيل ورفض سياسات حكومتها الحالية. لكن ذلك لن يلغي الخلافات داخل الحزب بشأن المساعدات العسكرية وغزة. وفي حال أسفرت الانتخابات عن برلمان معلق، فقد يستمر نتنياهو في تصريف الأعمال، بينما تبقى قضية إسرائيل حاضرةً في الحملة الأميركية دون حسم سياسي واضح. وتشير هذه السيناريوهات إلى أن الانتخابات الإسرائيلية لن تحدِّد وحدها نتائج انتخابات الكونغرس، لكنها قد تؤثر في الخطاب الانتخابي وتعبئة الناخبين خلال الأسبوع الأخير، خصوصاً في ميشيغان.
فالاختبار الحقيقي بالنسبة إلى عبد السيد وروجرز لا يتعلق بمَن يفوز في إسرائيل، بل بمَن ينجح في إقناع الناخبين بأنَّ موقفه من العلاقة مع تل أبيب يخدم المصالح الأميركية. وبين الناخبين العرب الذين يعيدون النظر في تحالفاتهم، واليهود المنقسمين حول سياسات إسرائيل، والأغلبية المنشغلة بتكاليف المعيشة، تبدو ميشيغان نموذجاً لتحول السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط من قضية خارجية إلى عامل مؤثر في الصراع الداخلي على السلطة.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · هبة القدسي
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira