قطارات إسبانيا فائقة السرعة... تاريخ مثقل بالكوارث

أعاد حادث التصادم المروع الذي شهده وسط إسبانيا صباح اليوم الأربعاء، بين قطارين فائقَي السرعة بالقرب من بلدة أوردا بمقاطعة طوليدو (طليطلة)، فتح ملف السلامة والأمان في واحدة من أحدث شبكات السكك الحديدية في أوروبا. الحادث أسفر عن مقتل 64 شخصاً على الأقل في حصيلة مرشحة للارتفاع، نتيجة اصطدام قطار «AVE» التابع لشركة «رينفي» الحكومية بمؤخرة قطار «إيريو» (Iryo) الخاص، حسبما أعلنت وسائل الإعلام الإسبانية وشركات القطارات.

حادث اصطدام قطارين فائقَي السرعة بالقرب من بلدة أوردا بمقاطعة طوليدو 28 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

الحادث لم يكن مجرد مأساة عابرة، بل جاء ليعيد تذكير الإسبان بسلسلة من المآسي التاريخية الدامية التي لطالما حجبتها الدعاية الرسمية للحدث التقني.

ويمتد سجل إسبانيا في كوارث القطارات لعقود طويلة، متأرجحاً بين عيوب البنية التحتية، والأخطاء البشرية، ومقصلة الرقابة السياسية.

فاجعة أداموز ومأساة سانتياغو: جراح لم تندمل بعد

لم تمر سوى 9 أشهر فقط على الكارثة التي هزت جنوب البلاد في 18 من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي 2026، حين شهدت منطقة أداموز بمقاطعة قرطبة انحراف قطار سريع واصطدامه بآخر مقبل في الاتجاه المعاكس، مما أسفر عن مقتل 45 شخصاً وإصابة العشرات بجروح خطيرة.

وكشفت التحقيقات اللاحقة أن التفسير المبدئي للكارثة انحصر في وجود كسر بطول 40 سنتيمتراً في أحد القضبان الحديدية نتيجة عيوب اللحام والصيانة، مما أطلق جرس إنذار حول سلامة الخطوط السريعة التي تتشارك تشغيلها شركات حكومية وخاصة.

أحد القطارات المتورطة في حادث خروج قطارين فائقَي السرعة عن مسارهما بالقرب من أداموز في إسبانيا (رويترز)

وتظل الفاجعة الأبرز في الألفية الجديدة هي تلك التي وقعت في 24 يوليو (تموز) 2013، عندما انحرف قطار «Alvia» فائق السرعة التابع لشركة «رينفي» عند منعطف حاد بالقرب من محطة سانتياغو دي كومبوستيلا في إقليم غاليسيا.

الحادث الذي وقع نتيجة إهمال السائق وتجاوزه السرعة المحددة بشكل جنوني في ظل غياب أنظمة الكبح التلقائي المتطورة على ذلك الجزء من الخط، أسفر عن مقتل 80 شخصاً وإصابة أكثر من 140 آخرين. تلك المأساة تحولت إلى قضية رأي عام كبرى حوكم فيها السائق ومسؤولو سلامة البنية التحتية لسنوات طويلة.

انحراف قطار «Alvia» فائق السرعة التابع لشركة «رينفي» عند منعطف حاد بالقرب من محطة سانتياغو دي كومبوستيلا في إقليم غاليسيا 24 يوليو 2013 (ويكيبيديا)

مأساة إيل كويرفو وصدمة أوردوليز في السبعينات

العودة إلى الوراء في تاريخ السكك الحديدية الإسبانية تكشف أن حقبة السبعينات شهدت كوارث لا تقل دموية، ففي 21 يوليو 1972، شهدت البلاد أحلك أيامها السككية في الأندلس، عندما اصطدم قطار ركاب سريع يربط بين مدريد وقادس بقطار محلي بالقرب من بلدية إيل كويرفو بمقاطعة إشبيلية. الارتطام المباشر وجهاً لوجه أدى إلى سحق العربات الأمامية بالكامل، وأسفر عن مقتل 86 شخصاً وإصابة المئات بجروح، في حادثة صُنفت كإحدى أشد كوارث النقل فتكاً خلال العقود الأخيرة من حكم نظام الديكتاتور فرنسيسكو فرنكو.

حادث اصطدام قطار ركاب سريع يربط بين مدريد وقادس بقطار محلي بالقرب من بلدية إيل كويرفو بمقاطعة إشبيلية 21 يوليو (تموز) 1972 (وسائل إعلام إسبانية)

وقبل ذلك بسنتين، وتحديداً في صيف عام 1970، شهدت بلدة أوردوليز بالقرب من مدينة بيلباو شمال البلاد حادث تصادم أمامي بين قطارين أودى بحياة 33 شخصاً.

ورغم أن السلطات سارعت حينها إلى إلقاء اللائمة بالكامل على رئيس المحطة بتهمة الخطأ البشري، فإن التحقيقات اللاحقة كشفت عن وجه آخر للأزمة تمثل في ظروف العمل القاسية، حيث تبين أن المسؤول كان يعمل في نوبات مكثفة بلغت 16 ساعة يومياً لأربعة أيام متتالية دون انقطاع.

حادث تصادم أمامي عنيف بين قطارين عام 1970 في بلدة أوردوليز بالقرب من مدينة بيلباو شمال إسبانيا (وسائل إعلام إسبانية)

التعتيم السياسي وكارثة توري ديل بييرزو الكبرى

يحتفظ التاريخ الإسباني بنوع آخر من الحوادث طاله مقص الرقابة والتعتيم السياسي، إذ تعود المأساة الأكبر والأكثر غموضاً إلى يناير (كانون الثاني) من عام 1944، خلال حقبة حكم فرنكو، حين وقع تصادم متسلسل لثلاثة قطارات داخل نفق ضيق في منطقة إيل بييرزو بمقاطعة ليون.

الحادث بدأ بقطار بريد مقبل من مدريد باتجاه لا كورونيا عانى من فشل كامل في المكابح، ليصطدم بقاطرة مناورة داخل النفق، قبل أن يدخل قطار شحن الفحم من الاتجاه المعاكس ويصطدم بالركام المحترق.

تصادم متسلسل لثلاثة قطارات داخل نفق ضيق بمنطقة إيل بييرزو بمقاطعة ليون في يناير عام 1944 (ويكيبيديا)

ورغم أن الشركة الحكومية الناشئة آنذاك «رينفي» أعلنت رسمياً عن سقوط 78 قتيلاً فقط، فإن المؤرخين والشهود أكدوا لاحقاً أن الرقابة الصارمة للنظام الفاشي حاولت تقليل حجم الكارثة لحماية سمعة النظام، بينما تشير التقديرات الفعلية والبحوث التاريخية المستقلة إلى أن عدد الضحايا الحقيقي تراوح ما بين 200 إلى 500 قتيل، مما يجعلها أضخم كارثة قطارات في تاريخ البلاد على الإطلاق.

وفي سياق مشابه، شهد عام 1965 احتراق قطار على خط مدريد - برشلونة في بلدة غريسين بالقرب من سرقسطة، حيث أعلنت السلطات وقتها عن وفاة 30 شخصاً، ليتبين لاحقاً أن الحصيلة الفعلية قاربت 80 قتيلاً طمست معالم جثثهم النيران والتعتيم الإعلامي.

شهد عام 1965 احتراق قطار على خط مدريد - برشلونة في بلدة غريسين بالقرب من سرقسطة (وسائل إعلام إسبانية)

تحرير القطاع وصراع الشركات على مسار واحد

يتفق خبراء النقل في إسبانيا على أن أسباب تكرار الكوارث السككية في البلاد تحولت من غياب التكنولوجيا في القرن الماضي إلى أزمة إدارة التدفقات في العصر الحالي. إسبانيا كانت السباقة أوروبياً في تحرير قطاع النقل السككي فائق السرعة، مما سمح لشركات مثل «إيريو» (Iryo) المملوكة لمستثمرين إيطاليين وإسبان، و«أويغو» (Ouigo) الفرنسية، بمنافسة العملاق الحكومي «رينفي» (Renfe) على الخطوط ذاتها. هذا التنافس التجاري المحموم، الذي أدى إلى خفض أسعار التذاكر وزيادة كثافة الرحلات اليومية، وضع البنية التحتية لأنظمة الإشارات والمراقبة التلقائية التابعة لهيئة «أديف» (ADIF) الحكومية تحت ضغط تشغيلي غير مسبوق.

وتظهر المآسي المتلاحقة من سانتياغو إلى أداموز وصولاً إلى فاجعة طوليدو اليوم، أن الاعتماد المفرط على الخصخصة دون تطوير متوازٍ لبروتوكولات التنسيق البشري عند تعطل الأنظمة الرقمية، يحول هذه القطارات السريعة عند أي هفوة تنموية إلى أدوات دمار فوق القضبان

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · كوثر وكيل

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira