واجه مايكل كاريك اختباراً صعباً في قيادة مانشستر يونايتد، في نادٍ لم ينجح في فرض الاستقرار واستعادة أمجاده سوى مدربين اثنين على مدار تاريخه الحديث، هما مات بوسبي وأليكس فيرغسون. وبينما لا يزال النادي يبحث عن طريق العودة إلى القمة، يجد مدربوه أنفسهم أمام تحديات تتجاوز النتائج داخل الملعب، لتشمل صراعات داخلية وإرثاً تاريخياً ثقيلاً جعل من خلافة الأسطورتين مهمة شديدة التعقيد.
وترى صحيفة «الغارديان» البريطانية أن مانشستر يونايتد، رغم مكانته الكبيرة وإمكاناته، ظل يعاني صعوبة في إدارة شؤونه منذ نهاية حقبة بوسبي، قبل أن ينجح فيرغسون في إعادة بناء الفريق وصناعة واحدة من أكثر الفترات نجاحاً في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. ويشير هذا الإرث إلى مفارقة يعيشها النادي حتى اليوم؛ فبدلاً من أن تكون إنجازات الماضي مصدر إلهام لمن يخلفان الأسطورتين، تحولت إلى معيار دائم للمقارنة، يضع المدربين تحت ضغط متواصل، ويحد من قدرتهم على بناء هوية مستقلة.
ولم يكن كاريك، الذي يعرف النادي جيداً بعدما ارتدى قميصه لاعباً وعمل ضمن جهازه الفني، بمنأى عن هذه المعادلة. فقد وجد نفسه في مواجهة انتقادات داخلية، بعدما أدلى القائد برونو فرنانديز، والمدافع ليساندرو مارتينيز بتصريحات تلفزيونية أثارت تساؤلات بشأن الأوضاع داخل الفريق. وتعكس هذه المواقف، وفق الصحيفة، نمطاً تكرر مع مدربين سابقين، إذ كثيراً ما وجد المسؤول عن القيادة الفنية نفسه معزولاً في مواجهة خلافات تتداخل فيها مصالح اللاعبين والإدارة وتقاليد النادي.
وتعود هذه الإشكالية إلى عقود مضت، حين واجه المدربون الذين خلفوا بوسبي صعوبة في التعامل مع استمرار نفوذه وحضوره داخل النادي. وكان ويلف ماكغينيس، الذي تولى المهمة بعده عام 1969، من أبرز ضحايا تلك المرحلة؛ إذ لم يستمر طويلاً قبل أن تنتهي تجربته في ديسمبر (كانون الأول) 1970، في أجواء اتسمت بالتوتر وخيبة الأمل. والمفارقة أن بوسبي نفسه كان طرفاً في القرار الذي أنهى مهمة خليفته، في مؤشر مبكر على صعوبة الانتقال من حقبة المدرب الأسطوري إلى مرحلة جديدة.
ولم تختلف الأوضاع كثيراً مع فرنك أوفاريل، الذي أسهمت خسارة مانشستر يونايتد أمام كريستال بالاس بنتيجة 0 - 5 في ديسمبر 1972 في تسريع رحيله. وبعده، أقيل تومي دوكرتي عام 1977 لأسباب شخصية، رغم ما حققه من تحولات في الفريق، فيما انتهت تجربة ديف سيكستون عام 1981 رغم فوزه في مبارياته السبع الأخيرة. ثم غادر رون أتكينسون منصبه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1986، ليتولى فيرغسون المسؤولية ويبدأ مرحلة غيّرت تاريخ النادي.
لكن النجاح الاستثنائي الذي حققه فيرغسون جعل المهمة أكثر صعوبة على من جاءوا بعده. فمنذ رحيله عام 2013، ظل اسمه حاضراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل الفريق وقراراته، وأصبحت المقارنة بإنجازاته جزءاً من التحديات التي تواجه أي مدرب جديد. كما أن علاقته بالنادي بعد اعتزاله، ودعمه استحواذ عائلة غليزر عليه عام 2005، أثارا نقاشاً بشأن مدى تأثير إرثه في مسار مانشستر يونايتد خلال السنوات التالية.
وامتد هذا الحضور إلى بعض القرارات الفنية التي أثارت الجدل، ومن بينها انتقاد فيرغسون قرار أولي غونار سولشاير عدم إشراك كريستيانو رونالدو أساسياً أمام إيفرتون عام 2021. كما أثارت عودة النجم البرتغالي إلى أولد ترافورد تساؤلات بشأن تأثير العلاقات السابقة في القرارات الرياضية، بعدما تحولت التجربة إلى واحدة من المحطات المضطربة في تاريخ النادي الحديث.
ويبدو أن كاريك يواجه بدوره تحدياً يتمثل في كيفية التعامل مع هذا الإرث من دون الوقوع في فخ تقليد فيرغسون. فقد سبق لسولشاير أن حاول استحضار بعض ملامح شخصية المدرب الاسكتلندي، مستنداً إلى علاقته به وإلى ذكريات الحقبة الذهبية، لكن ذلك لم يكن كافياً لإعادة إنتاج النجاح نفسه. وتبرز هذه التجارب صعوبة استنساخ نموذج ارتبط بشخصية استثنائية وظروف يصعب تكرارها.
ولم تكن الاستعانة بمدربين أصحاب شخصيات قوية حلاً مضموناً أيضاً. فقد أخفق لويس فان غال وجوزيه مورينيو في تلبية التوقعات المرتبطة بأسلوب اللعب الهجومي الذي اشتهر به مانشستر يونايتد، رغم امتلاكهما خبرة واسعة وسجلاً حافلاً بالإنجازات. ومع ذلك، بدت تجربتهما أقل سوءاً مع مرور الوقت، في ظل الإخفاقات المتتالية التي أعقبتهما.
كما كشفت الطريقة التي انتهت بها تجربة فان غال عام 2016 عن استمرار الصراعات خلف الكواليس، بعدما علم المدرب الهولندي أنه سيغادر منصبه عقب فوزه بكأس الاتحاد الإنجليزي، ليحل مورينيو مكانه. ولم تكن تلك الواقعة سوى مثال آخر على ثقافة داخلية لطالما أثارت الجدل، رغم محاولات الإدارة، ثم مجموعة «إينيوس» بقيادة جيم راتكليف، إضفاء مزيد من الاحترافية والتنظيم على عمل النادي.
وفي خضم هذه التحولات، لم يحصل ديفيد مويز، الذي خلف فيرغسون مباشرة، على فرصة كافية لبناء مشروعه، قبل أن تتحسن صورته نسبياً مع تعاقب الإخفاقات في السنوات التالية. أما مورينيو، فدخل في صدامات متكررة مع محيطه، بينما اتسمت تجربة روبن أموريم بانتقادات علنية للأوضاع داخل النادي. كذلك أثار قرار الإبقاء على إريك تن هاغ في صيف 2024، قبل الاستغناء عنه لاحقاً، تساؤلات بشأن وضوح الرؤية لدى الإدارة.
وتبقى معضلة مانشستر يونايتد في أن تاريخه يمنحه مكانة استثنائية، لكنه يضع في الوقت نفسه عراقيل أمام أي محاولة لبناء حقبة جديدة. فقد أثبت بوسبي وفيرغسون أن النجاح ممكن، غير أن استمرار الصراعات والمصالح الشخصية والتمسك بأمجاد الماضي يجعل استعادة الاستقرار أكثر صعوبة. وفي ظل هذه الظروف، لا يبدو كاريك مجرد مدرب يواجه ضغوط النتائج، بل حلقة جديدة في سلسلة من التجارب التي اصطدمت بإرث لم يتمكن النادي حتى الآن من تجاوزه.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · شوق الغامدي
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira