في لوحات مرسومة بالأكريليك، تتداخل فيها الألوان الفاتحة لتأخذ صاحبها إلى عالم من الأحلام، تقدّم الفنانة جيسي تابت أعمالها تحت عنوان «لبنان بكل ألوانه» في مركز «ريبيرث بيروت».

بيوت متراصّة، وسماء صافية، وشمس ساطعة؛ كلّها عناصر تحوّلها الفنانة إلى ركائز أساسية في لوحاتها، وتدفع ناظرها إلى الدخول في حالة من الحلم، يحلّق خلالها في سماء لبنان متنقّلاً من منطقة إلى أخرى. من الشمال إلى الجنوب، التقطت جيسي تابت صوراً فوتوغرافية لمناظر استوقفتها، ثم وضعتها تحت مجهر ريشتها لتعيد تشكيلها وفق مخيّلتها، فتُبرز تفاصيل وطن عشقته، ولم تفارقه يوماً.

تروي تابت حكاية وطن بكلّ ألوانه (ريبيرث بيروت)

وبين لوحات بأحجام كبيرة وأخرى صغيرة، تناولت الفنانة رموز لبنان، من أرزه الخالد، إلى بحره الأزرق، وجباله الشاهقة. وأفردت لها لوحات تحت عناوين ترتبط بمضمونها. فنراها تقدّم عناوين جماعية تشكّل سلاسل فنية، كما في مجموعة «الأرزة»، وأخرى تجمع فيها مَشاهد من مناطق لبنانية مختلفة تحت عنوان «ظلال صغيرة من لبنان». وفي لوحات منفردة، تتوقّف عند غروب الشمس، كما في «البترون والغروب البرتقالي»، وتأمّلات البحر اللبناني في «انعكاسات الساحل». أمّا الجبل، فتمنحه مساحته الخاصة من خلال رسم بيوته وهضابه في لوحة «تناغم الجبال».

وتقول جيسي تابت، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنها جالت في مختلف المناطق اللبنانية، حيث لفتتها مَشاهد بعينها. وتضيف: «كنت أصوّرها ثم أهرع إلى ورشة الرسم لأعيد رسمها بمزاجي. فأنا لا أنسخ ما التقطته بعدستي، وإنما أترجم ما قرأته، وأكمله برؤية فنية خاصة بي».

وترى أنّ الألوان التي استخدمتها تعكس صورة لبنان الجميل الذي تراه دائماً بعينيها. وعندما اختارت اللون الزهري خلفيةً لبعض أعمالها، ولوناً طاغياً، أرادت أن تدعو الناظر إلى الدخول في عالم من الخيال. وتوضح: «في لحظة تأمّل اللوحة، يشعر الزائر كأنه في جلسة تأمّل وراحة، فيتخلّص من همومه، ومشكلاته، وينطلق في رحلة فنية بين ربوع لبنان».

تدعو تابت زوّار المعرض إلى اكتشاف مشاهد من مناطق لبنانية استوقفتها (ريبيرث بيروت)

وعن سبب تركيزها على رسم البيوت، والعمارة اللبنانية، توضح: «البيوت روح الإنسان، ومركزه الأساسي على أرض الوطن. فهي تحتضن نفسه، وتعبه، وراحته، وأجواء الألفة، والعائلة. وبرأيي، فإنّ هذه البيوت تشير بوضوح إلى حياة اللبناني الملوّنة بالعاطفة، والهدوء، رغم المآسي التي يواجهها. كما ركّزت على تفاصيل مثل النوافذ المفتوحة، وقناطر الشرفات، والأسقف القرميدية، لأعيد إحياء مَشاهد تنتمي إلى تراث عزيز على قلوبنا».

وفي سلسلة «الأرز»، ترسم جيسي تابت هذا الرمز الوطني بدقّة متناهية، متوّجاً بالأخضر القوي، وتتخلّله لمسات ذهبية وأخرى بيضاء، فتحوّل شجرة الأرز إلى حكاية تاريخية. وتبدو جذورها الصلبة كأنها ممسكة بيدَين ضخمتَين، فيما تتفرّع منها أغصان حياة لا تذبل. أمّا في لوحة «الحياة الوردية»، فتطالعك مجموعة من المنازل المتراصّة، تفتح أبوابها أمام الضيف. وإذا ما تعمّقت في قراءة تفاصيلها، تكتشف أنّ سكّان البيوت منشغلون بأعمالهم، أو ينعمون بلحظات من الراحة. وهكذا تحافظ جيسي، من خلال هذه المَشاهد، على حركة دائمة تنبض بالحياة، والطمأنينة.

تقول إنها تأثّرت ببحر لبنان الممتدّ على طول الساحل، لِما يبعثه فيها من سكون، وصفاء، فرسمته متلألئاً، عاكساً نمط حياة تتناغم فيها مشاعر الدفء، والسكينة، والتآلف.

يستمرّ معرض «لبنان بكلّ ألوانه» حتى 14 نوفمبر الحالي (ريبيرث بيروت)

وتعدّ جيسي تابت كلّ لوحة من لوحاتها بمثابة قطعة من لبنان، وتقول: «مَن يقتني إحداها يكون قد احتفظ بذكرى من أرض وطنه، يستمتع بمشاهدتها في كلّ لحظة. فهي أشبه بحبّة دواء تداوي شوقه إلى الوطن إذا كان مغترباً، وتبلسم جراح الحرب والدمار إذا كان مقيماً».

ويعود جزء من عائدات بيع اللوحات لدعم مبادرات جمعية «ريبيرث بيروت» التنموية والإنسانية، التي تُسهم في إحياء العاصمة، وتأهيل بنيتها التحتية، مثل إنارة الشوارع، والإشارات المرورية.

وتختم جيسي تابت حديثها عن أسلوبها في الرسم، والمعاني التي تحملها كلّ لوحة، قائلةً: «أحبّ أن أتبع مسار ريشتي، وأغوص معها في حوارات طويلة. وعندما يتوقّف الكلام ليحلّ الصمت مكانه، أكون قد أنجزت اللوحة، وانتقلت إلى غيرها. فمع كلّ لوحة أحلم، وأرتقي إلى عالم أكثر جمالاً، حيث تتّسع مساحة الخيال، وتتحرّر الألوان من حدود الواقع».

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · فيفيان حداد

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira