«الخوف لم يعد شعوراً عابراً، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، بعدما فرضت الحروب المتكررة واقعاً من الترقب والاستعداد لأي تصعيد مفاجئ». بهذه العبارة، تختصر مريم مرعي ما يعيشه كثير من اللبنانيين وتحديداً في الجنوب، جراء الأنباء عن احتمالات تجدد الحرب.
تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل تصعيد يعيدنا إلى الدوامة نفسها من القلق والترقب»، مشيرةً إلى أن حقيبة الطوارئ تبقى جاهزة، وأن السؤال الذي يرافقها باستمرار هو: «إذا حصل شيء، ماذا سنفعل؟ وإلى أين سنذهب؟».
وتضيف أن أصعب ما يعيشه اللبناني اليوم هو فقدان الشعور بالأمان داخل منزله، قبل أن تختم بالقول: «كل ما أتمناه هو أن نعود إلى حياة طبيعية، وأن نخطط للغد بدلاً من أن نخطط للهروب، وأن نشعر بأن بيوتنا أماكن آمنة، لا أماكن نخشى أن نُجبر على مغادرتها في أي وقت. ما نأمله ببساطة هو حياة طبيعية».
ومرعي واحدة من آلاف اللبنانيين الذين يعيدهم خبر أمني أو تهديد محتمل، إلى تنفيذ «الخطة ب»، أي الاستعداد للنزوح. ولم يعد هذا الاستعداد يقتصر على المناطق التي شهدت أي تصعيد، بل امتد إلى معظم اللبنانيين الذين باتوا يتعاملون مع أي تطور أمني بوصفه إنذاراً مبكراً... حقائب الطوارئ، وخطط النزوح، والبحث عن أماكن أكثر أماناً، باتت جزءاً من نمط الحياة، في انتظار تصعيد محتمل.
من الخبر العاجل... إلى خطة الهروب
تقول مروى جابر إن مجرد تداول خبر عن احتمال تجدد التصعيد كان كافياً لإعادة مشاعر الخوف التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب، مؤكدةً أن القلق بات يسبق التحقق من صحة الأخبار.
وتروي أنه بمجرد انتشار أي خبر يبدأ الجميع يتساءل: «هل ستعود الحرب؟»، فيما يغادر بعض الموظفين أعمالهم تحسباً للأسوأ، قبل أن يتبين لاحقاً أن الخبر لم يكن دقيقاً.
وتضيف: «أدركت أننا لم نفكر إلا في أمر واحد: كيف نستعد للحرب من جديد، ما زلنا نعيش آثار الحرب حتى عندما تكون بعيدة عن الميدان».
وتتحدث فرح سماحة عن المشهد نفسه، موضحةً أن أي تطور أمني ولو كان خارج الحدود، يعيد اللبنانيين تلقائياً إلى ذاكرة النزوح. وتقول: «يتحول التفكير مباشرةً إلى كيفية حماية العائلة، وإلى أين سنهرب؟ وما الذي يجب أن نجهزه؟». وترى أن اللبنانيين «أصبح لديهم دائماً خطة بديلة لاحتمال اندلاع الحرب، في وقت يخطط فيه الآخرون لمستقبلهم»، معتبرة أن «العيش مع الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية».
الحرب لا تنتهي عند وقف إطلاق النار
لا يقف أثر الحروب عند حدود الدمار والخسائر البشرية، بل يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الناس ويعيشون يومهم. وتجد الشهادات السابقة تفسيرها في قراءة المعالجة النفسية الدكتورة ريما حداد، التي ترى أن تكرار الحروب في لبنان لم يترك ندوباً في الذاكرة فحسب، بل خلق حالة من الاستنفار النفسي الدائم، جعلت كثيراً من اللبنانيين يعيشون كأنهم ينتظرون الحرب التالية.
وترى حداد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تكرار الحروب في لبنان ترك آثاراً نفسية عميقة لدى السكان»، مشيرةً إلى أن «كثيراً من اللبنانيين يعيشون في حالة تأهب دائم، حتى خلال فترات الهدوء، نتيجة تراكم الصدمات والخوف المستمر من تجدد المواجهات».
استنفار نفسي دائم
وتقول إن المجتمعات التي تتعرض لحروب متكررة تدخل في حالة استنفار نفسي دائم، موضحةً أن «الدماغ يصبح كأنه في حالة إنذار مستمر، فيراقب أي صوت أو حدث جديد، ويجري باستمرار عملية تفقد لما إذا كان هناك خطر يقترب». وأضافت أن «هذه الحالة تنعكس على القدرة على التركيز والعمل والتخطيط للمستقبل، إذ يفقد كثيرون شعورهم بالأمل رغم توقف الحرب، ويبقى الخوف والتوتر والقلق مرافقاً لهم بصورة يومية».
وأشارت إلى أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الضغط النفسي المزمن (Chronic Stress)»، مؤكدةً أن «الحروب المتتالية دفعت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى العيش في حالة قلق مزمن، فيبقون مترقبين لأي تطور، متوترين، سريعي الانفعال، وفاقدين للشعور بالاستقرار».
ورأت حداد أن هذه الحالة النفسية لا تقتصر على الجانب العاطفي، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، إذ «تؤثر في الإنتاجية، والقدرة على العمل، واتخاذ القرارات، والتخطيط للمستقبل، كما تنعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية والعلاقات الاجتماعية».
تهديد مستمر وقلق مزمن
وأوضحت حداد أن هذا الإحساس الدائم بعدم الأمان ناتج عن عاملين متداخلين، يتمثل الأول في «التهديد المستمر الذي يعيشه اللبنانيون»، فيما يتمثل الثاني في «القلق المزمن الذي تولِّده الصدمات المتكررة»، محذرةً من أن استمرار هذه الحالة «يؤدي إلى تراجع القدرة على رسم المشاريع المستقبلية واتخاذ القرارات، لأن الشخص يصبح منشغلاً بتوقع الخطر أكثر من انشغاله ببناء مستقبله».
وعن سبل الحد من هذه الآثار النفسية، دعت حداد إلى التقليل قدر الإمكان من التعرض المستمر للأخبار، والابتعاد عن مصادر الطاقة السلبية، وممارسة النشاط البدني بانتظام، ووضع أهداف صغيرة وقريبة يمكن تحقيقها تدريجياً لاستعادة الشعور بالسيطرة والاستقرار. كما شددت على أهمية عدم كبت المشاعر، مؤكدةً أن «التحدث مع اختصاصي نفسي، أو مع أشخاص موثوقين من العائلة أو الأصدقاء، يساعد على تخفيف الخوف والقلق ومنع تراكمهما».
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · صبحي أمهز
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira