أكدت مصادر أردنية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» أن الأردن «نسّق مع الجانب السوري لقصف مناطق محددة بإحداثيات مؤكدة لضرب عناصر من تنظيم «داعش»، كانوا على اتصال بالخلية الإرهابية التي نفذت عملية كنيسة حمود»، الجمعة الماضي.
وشهد موقع للعزاء في موقع كنيسة حمود التابعة لمحافظة الكرك الجنوبية، حادثة إطلاق نار بعد ترجل ثلاثة إرهابيين، من مركبة فاتحين فوهات بنادقهم على المعزين الواقفين أمام الكنيسة، مما تسبب بسقوط 9 شهداء وأكثر من 40 جريحاً وفق آخر الإحصاءات.
وشددت مصادر محلية مطلعة على أن الأردن الرسمي «يتفهّم الموقف السوري»، لترفض المصادر نفسها التعليق على أسباب «التحفظ الرسمي السوري»، الذي اعتبره سياسيون أنه متطلب سوري في إعادة ترتيب المواجهة مع «خلايا إرهابية تكفيرية أصبحت تعيش في أوساط سكانية محلية في قرى بمحافظة درعا قريباً من الحدود الأردنية».
علماً بأن الأردن قام بقصف الجنوب السوري بعد تسلم العهد الجديد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وقام بثلاث طلعات جوية معلنة وطلعات أخرى غير معلنة.
قُطَب مخفية في تصريحات رسمية
وقال وزير الإعلام الأردني محمد المومني إن عملية ليلة الاثنين التي حملت اسم (الردع الأردني - حمود) نُفذت «استناداً إلى معلومات ميدانية؛ لتحييد تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية ضد الأردن»، مشيراً إلى أن النتائج الأولية لهذه العمليات تشير، حتى اللحظة، إلى خسائر كبيرة في صفوف «داعش»، تُقدّر بأكثر من 20 عنصراً، وتدمير مستودع أسلحة ضخم للتنظيم.
تصريحات المومني لم تُعلق على البيان الرسمي السوري الذي «استنكر القصف الأردني في الداخل السوري». لكن «شيئاً من التفاهم، في الكواليس» قطع الطريق على بعض المتأذين من عودة التنسيق الأردني - السوري والتعاون في المجالات المختلفة، وعلى رأس جهود التعاون المشترك مع العهد السوري الجديد، كانت جهود مكافحة الإرهاب.
في السياق، فإن للأردن موقفاً حاسماً في الدفاع عن وحدة الأراضي السورية، في مواجهة مسلسل الاجتياحات الإسرائيلية الهادفة لاحتلال المزيد من الأراضي السورية وفرض أمر واقع جديد، على أن الأردن يحترم سيادة دول الجوار، لكن عمّان لا تقف «مكتوفة الأيدي» في مواجهة مخاطر الإرهاب من تنظيم «داعش» على الحدود الشمالية والشرقية، مع محاولات ضرب الأمن الأردني من طرف ميليشيات عراقية محسوبة ومسلحة من طهران. ومؤخراً، برزت تحديات جديدة على الحدود الغربية مع دولة الاحتلال، بعد إحباط سلسلة محاولات لتهريب المخدرات والسلاح.
أما أهم ما جاء على لسان الناطق باسم الحكومة فقوله: «إن عمليات القصف التي قامت بها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، ليلة الاثنين، استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)»، مؤكداً «نفاد صبر بلاده على تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».
ومصطلح «نفاد الصبر» عسكرياً له دلالات تؤشر بعودة محتملة للحرب ضد تنظيم «داعش»، الذي أعاد تموضع بعض خلاياه في مناطق من الجنوب السوري، ولم يعد مستبعداً عودة اتصالات التنظيم في الخارج بخلايا نائمة في الداخل الأردني، بحسب مراقبين.
وجاء تعبير المومني عن «أسف بلاده لوقوع ضحايا من المدنيين»، ليؤكد أن الأردن «امتنع عن استهداف مواقع تشير المعلومات إلى وجود مدنيين فيها»، موضحاً أن الأردن «يتخذ على الدوام الاحتياطات كافة التي من شأنها عدم الإضرار بالمدنيين، فهو يولي حياة المدنيين الأبرياء خارج حدوده الأهمية ذاتها التي يوليها لحياة الأردنيين».
وقد لاحظ المتابعون أن بيان الحكومة الرسمي الذي تلاه الناطق باسمها، تجاوز الموقف الرسمي السوري الذي «نفى التنسيق مع الأردن»، بشأن قصف الجنوب السوري بطائرات سلاح الجو، وهو ما يعزز مساحات التفاهم، خصوصاً بعد البيان السوري الأخير الذي استخدم لغة دبلوماسية في «استنكارها ورفضها للقصف الأردني على الجنوب السوري».
على أن مطّلعين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن تزامن عمليات قصف سلاح الجو الأردني لأوكار إرهابية، رافقته طلعات جوية لقوات التحالف الدولي التي قامت هي الأخرى بقصف مواقع (على طريق دمشق حمص) لوجود خلايا إرهابية فيها، كما أن ظروفاً أمنية محلية خلقت حالة من الفوضى بين سكان المناطق المستهدفة في درعا، وهو ما ابتعد الأردن عن التعليق عليه.
الثقة بالملك والجيش
يثق الأردنيون بنسب مرتفعة بكفاءة القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) والأجهزة الأمنية، وعلى رأس تلك المؤسسات العاهل الأردني بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتتجاوز نسب الثقة في استطلاعات الرأي التي يجريها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية عادة نسبة الـ(90%) بالقدرات العسكرية الأردنية، وجهود الجيش الأردني في صد المخاطر وحماية المملكة. ولذلك يُعد البيان العسكري لدى الأردنيين كاشفاً عن تفاصيل العمليات العسكرية بشفافية واختصار.
ومن المفارقات المهمة في الحالة الأردنية، أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عند زيارته لبيوت عزاء شهداء الإرهاب عادة، يكون حاملاً معه خياراته الانتقامية من الجماعات الإرهابية. ويذكر الأردنيون لحظة جلوس الملك عبد الله الثاني في بيت عزاء الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، الذي أعدمه «داعش» حرقاً بعد أسره عام 2015، وكيف أن طائرات سلاح الجو حلقت فوق بيت العزاء معلناً الملك أن سلاح الجو عاد لتوه من تنفيذ عملية انتقامية ضد عناصر إرهابية كان لها الدور في عملية أسر واستشهاد الطيار الكساسبة وقتها.
وفعلاً بعد ساعات من زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لبيت عزاء شهداء كنيسة حمود، الاثنين، أعلنت القوات المسلحة أن سلاح الجو الملكي قام «بتدمير عدد من المواقع الإرهابية، وأسفرت العملية عن قتل وجرح العديد من عناصر هذه التنظيمات الإرهابية وتدمير عدد من آلياتها».
وليلة الثلاثاء، أعلن سلاح الجو الملكي في بيان عسكري تنفيذه عملية نوعية استهدفت أوكار التنظيمات الإرهابية في الجنوب الشرقي السوري، أطلق عليها (الردع الأردني - حمود)، مشدداً البيان على أن العملية نُفذت بـ«التنسيق» مع الحكومة السورية. وهنا اختصر الأردنيون مساحات الجدل واثقين بالرواية الأمنية.
وقال البيان إن العملية تأتي «انتقاماً لشهدائنا الذين قضوا في جنازة كنيسة حمود في الكرك الجمعة الماضي؛ إذ يرتبط الإرهابيون الذين نفذوا هذا الفعل الإجرامي بهذه التنظيمات الإرهابية». وقامت مقاتلات من سلاح الجو الملكي بتدمير عدد من المواقع الإرهابية، وأسفرت العملية عن قتل وجرح العديد من عناصر هذه التنظيمات الإرهابية وتدمير عدد من آلياتها.
هل ارتبكت الرواية الحكومية؟
ظهر مدير الأمن العام الأردني، الاثنين، رافضاً ربط الإرهابين الثلاثة بصلات تنظيمية خارجية، مؤكداً أن العملية لم يكن مخططاً لها مسبقاً.
وقيل ليلة الاثنين، على لسان مصادر صحافية، إن كلام مدير الأمن العام كان تمويهاً لمنع الإرهابيين بالخارج من أخذ احتياطاتهم للرد الأردني وتوقيته. وقبل الإعلان عن قصف الجنوب السوري بساعتين، ظهر وزير الداخلية مازن الفراية على شاشة تلفزيون محلي، مقدماً عرضاً اجتماعياً لواقع أسر منفذي العملية الإرهابية في كنيسة حمود.
وكشف عن معلومات تتعلق بمسلكيات الإرهابيين الثلاثة التي في حوزة الجهات الأمنية، كانت كفيلة باتخاذ إجراءات وقائية قبل وقوع حادثة الكنسية غير المسبوقة في البلاد. وهو ما تسبب محلياً بتوجيه انتقادات للإدارة الحكومية في ترتيب خطواتها وتعظيم أهداف استخدام الأدوات الإعلامية في تحصين الرواية الرسمية من النقد أو التصيّد.
لكن نشطاء منصات التواصل الاجتماعي اتخذوا من التناقض وسيلة لنقد الإدارة الحكومية للأزمة؛ فوزيرا الداخلية والإعلام ومدير الأمن العام، ظهروا لمدة نصف ساعة في مؤتمر صحافي، مقدمين الرواية الرسمية للحدث، في وقت لم تكن فيه تداعيات الردع الأردني قد انتهت لصالح الرسالة العسكرية التي بعث بها سلاح الجو الأردني ليلة الاثنين.
ولا ينقص جمهور التواصل الاجتماعي انقسام أردني أكثر من الانقسام الدائر حالياً، فما زالت بعض الحسابات تُحذر من تعزية المسيحيين، وترفض أن يقال عنهم شهداء. تاركين خلفهم ساحة من اختلاف وجهات النظر وصولاً للشتائم والتكفير. لتدخل حسابات خارجية على خطوط الفتنة المحلية، وهو ما يحتاج لجهود فنية متقدمة في مواجهة الحرب الإلكترونية.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira