رسالة فانس وحشود حرب إيران... ماذا يمكن أن تغيّر الضربة العسكرية؟

بين رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وإحاطة قائد القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) الجنرال براد كوبر للرئيس دونالد ترمب، تضيق المسافة بين محاولة إحياء التفاوض والاستعداد لاستئناف الحرب مع إيران.

لكن تزامن المسارين لا يجيب عن السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن تحويل تفوقها العسكري إلى اتفاق مع قيادة إيرانية قادرة على تقديم تنازلات، أم أن كلا الطرفين ينتظر تراجع الآخر حتى تنفد فرص الوساطة؟

بيد أن التقارير التي تتحدث عن وصول 10 طائرات شحن عسكرية أميركية إلى إسرائيل، تضيف بعداً عملياً إلى التهديدات. ومع ذلك، لا يعني الاستعداد للقتال أن القرار قد حُسم، كما أن فتح قناة مع أحد أبرز المتشددين الإيرانيين لا يضمن امتلاكه القدرة على إنجاز تسوية. وبين الاحتمالين، تبقى المنطقة عالقة في حالة «لا حرب ولا سلم»، تتحمل تكلفتها من دون أن تملك وحدها قرار إنهائها.

شخصية إيرانية تملك القرار

صورة نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من لقاء سابق لمحسن رضائي وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران

بحسب صحيفتي «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، تعكس مخاطبة فانس لرضائي محاولة للوصول إلى مركز القرار الفعلي في إيران. وعرض فانس لقاء رضائي شخصياً، وطالب بمحاورين مفوضين لبحث الملف النووي، انطلاقاً من تقدير أميركي بأن القائد السابق لـ«الحرس الثوري» يستطيع جمع مراكز القوة خلف اتفاق.

وربطت رسالة فانس المصلحة الأميركية بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، والمصلحة الإيرانية بإعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات وصون السيادة. ويأتي اختيار رضائي بعدما تعثرت محاولة سابقة مع رئيس البرلمان محمد قاليباف.

لكن الباحث في «معهد واشنطن» باتريك كلاوسن، يتحفظ على هذا الرهان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة تتجاوز اتهام واشنطن بسوء فهم السلطة الإيرانية، لأن ديناميتها «غامضة وغير مفهومة جيداً داخل إيران، فضلاً عن خارجها».

ومع إقراره بأهمية دور رضائي، يعدّ الاعتقاد بأنه يستطيع ضمان الالتزام باتفاق جديد «رؤية متفائلة». ويوضح كلاوسن أنه ليس واضحاً إطلاقاً ما إذا كان رضائي يملك السيطرة الكاملة على ما حدث بعد مذكرة التفاهم في يونيو (حزيران)، ويرجح احتمال أن تكون أطراف متشددة تحركت من دون علمه، ناهيك عن موافقته. فبنية السلطة الحالية، في تقديره، تترك هامشاً واسعاً لتحركات مستقلة، ما يجعل القدرة على التفاوض مختلفة عن ضمان التنفيذ.

ومع ذلك، لا يستبعد كلاوسن إمكان ضبط هذه القوى، مستدلاً بأن إيران لم تضرب إسرائيل منذ أشهر، عاداً ذلك مؤشراً إلى قدرة السلطات على الاتفاق على مسار وفرضه على الجميع. ويقول إن الأمر نفسه قد ينطبق على اتفاق مع واشنطن. وهذا استنتاج يفتح احتمال تسوية من دون أن يتحول نفوذ رضائي إلى ضمانة محسومة.

الجسر الجوي

صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية لطائرة «إف - 16» قال إنها تحلق فوق منطقة الشرق الأوسط

عسكرياً، نُقل عن هيئة البث الإسرائيلية أن 10 طائرات شحن عسكرية أميركية هبطت في قاعدتي عوفدا ونفاطيم في النقب، قادمة من ولاية تكساس. ولم يصدر تأكيد أميركي رسمي، ولم تتضح طبيعة الشحنات. ونقلت الهيئة عن مسؤول إسرائيلي تأكيد التنسيق الوثيق والاستعداد لمختلف قرارات ترمب المحتملة.

تأتي هذه التحركات ضمن استعدادات أوسع تحدثت عنها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تشمل تعزيز الدفاعات الجوية والذخائر والإمدادات وإبعاد بعض الجنود عن مواقع معرضة للخطر، ونقل بطارية «باتريوت» إضافية إلى إسرائيل.

كما تحدثت تقارير عن توقع وصول حاملة طائرات إضافية في نوفمبر (تشرين الثاني). وتشير التعزيزات الدفاعية إلى الاستعداد لاحتمال الرد الإيراني وامتداده إلى قواعد أميركية ومنشآت إقليمية، ما يعني أن القدرة على بدء الهجوم لا تعني امتلاك قرار إنهائه أو التحكم بحدوده.

وفيما نقل موقع «أكسيوس» الإخباري أن إحاطة الجنرال كوبر لترمب تناولت، إلى جانب الاستعدادات العسكرية، فاعلية الحصار البحري وإخراج ناقلات النفط عبر مضيق هرمز والضغط الاقتصادي بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية، غير أن الاجتماع بدا تقييماً لأدوات الإكراه القائمة بقدر ما هو بحث في بدائلها العسكرية، بمعنى: هل ينتج الحصار تغييراً سياسياً أم يطيل الاستنزاف من دون فتح الطريق إلى اتفاق؟

لكن الباحث في «معهد واشنطن» فرزين نديمي، يرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن الحصار، وإن أمكن استمراره بلا أجل محدد، قد يدفع إيران في مرحلة ما إلى رد عنيف عليه. ويضيف أن البيت الأبيض يرى طهران تعيد بناء قدراتها الصاروخية والمتصلة بالبرنامج النووي رغم العقوبات، ما يدفع ترمب، مع عوامل أخرى محتملة، إلى اتخاذ قرار عاجل. ويعدّ الوساطة تتقدم لتجنب تصعيد كبير «لا يريده أي من الطرفين»، لكنه يصبح أكثر اقتراباً من الحتمية، حسب تقديره.

ضربات بلا استراتيجية

مروحية تقلع من على سطح المدمّرة «رافائيل بيرالتا» في مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)

هنا يطرح برايان كاتوليس، الباحث في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، اعتراضه على أساس المقاربة الأميركية. وعدّ في حديث مع «الشرق الأوسط» نهج إدارة ترمب تجاه إيران «متقلباً»، قائلاً إن التطورات الأخيرة «تفوح منها رائحة اليأس»، وتكشف مجدداً أن واشنطن تتحرك من دون استراتيجية دبلوماسية متماسكة وفعالة تخدم مصالحها ومصالح شركائها في المنطقة.

ويرى كاتوليس أن التهديد بسلسلة أخرى من الضربات لن يغير على الأرجح الوضع الاستراتيجي جذرياً، ولن يحل التحديات الأساسية المتمثلة في نفوذ إيران على مضيق هرمز وبرنامجها النووي وترسانتها من الصواريخ الباليستية.

ويحذر من أن جولة جديدة ستكون على الأرجح «ضربات بدون استراتيجية»، أي ستكون عملاً عسكرياً من دون أهداف محددة بوضوح.

ومن زاوية عسكرية، يؤكد نديمي أنه «لا ضمان» لتحقيق حملة قصيرة ومكثفة جميع النتائج المطلوبة. ويرى أن بلوغ أهداف عسكرية جدية ومن ثم سياسية، يقتضي عادة تجنب تحديد أطر زمنية ثابتة وإطلاع الخصم عليها، مع ضرورة مراعاة ما يشير إليه من قيود دستورية على مدة العمليات دون حرب معلنة رسمياً.

ويحذر من أن أي عمل عسكري «قصير ومكثف» ضد إيران يمثل في حد ذاته تصعيداً خطيراً، من المرجح جداً أن يورط المنطقة بأكملها. بذلك، يصبح السؤال عن قدرة واشنطن على ضبط تبعات الضربة، وليس فقط تنفيذها.

وتزيد التباينات الأميركية الإسرائيلية تعقيد المشهد، إذ نقلت صحيفة «هآرتس» أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تخشى أن تخوض واشنطن جولة سريعة تنهيها باتفاق لا يحقق أهداف إسرائيل.

وترى أن ضربات قصيرة لن تسقط النظام أو توقف برنامجه النووي. وتبرز هذه المخاوف سؤالاً لا تحسمه كثافة التنسيق العسكري بين الطرفين: هل المطلوب تحسين شروط الاتفاق أم تغيير النظام الذي سيوقعه؟ فاختلاف الإجابة يغير النتائج، كما يضيف توقيت التحركات قبيل الانتخابات النصفية الأميركية بعد أيام ضغطاً على المسارين.

فالتقارير تتحدث عن استعدادات لحملة بعد الانتخابات، لكن ربطها بهذا الموعد لا يوضح أهدافها السياسية ولا يضمن أن تتوقف عند الحدود التي تتصورها واشنطن.

الثقة والتحدي

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

غير أن الباحث كلاوسن لا يحصر مأزق التفاوض بانقسامات السلطة الإيرانية. فهو يحدد عائقين أساسيين أمام التنازلات: ثقة الإيرانيين بأنهم يبلون بلاءً حسناً في الأزمات وبقدرتهم على الصمود أكثر من الولايات المتحدة، وبأنهم أرهبوا دول المنطقة، ثم انعدام ثقتهم بالإدارة الأميركية وخصوصاً بترمب.

ويلخص المعضلة بسؤال: ما جدوى التنازل إذا لم تنفذ واشنطن وعودها المقابلة؟ ويرى أن هذين العاملين يحدان من تأييد النخبة الإيرانية لاتفاق جديد أكثر من الانقسامات الداخلية.

وتكشف آراء الخبراء الثلاثة حلقات المأزق: كلاوسن يشكك في ضمان تنفيذ طهران اتفاقاً ويبرز ثقتها بالصمود وانعدام ثقتها بواشنطن، وكاتوليس يسأل عن استراتيجية تحول الضربات إلى مكاسب سياسية، ونديمي يحذر من أن قصر الحملة لا يمنع اتساع التصعيد. وبينها يبقى الاختبار: من يستطيع اتخاذ قرار التسوية وتنفيذه في طهران، وما الذي تستطيع واشنطن تغييره بالحرب، ثم تثبيته بالتفاوض؟

Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»

At a glance

Topic
World
Country
🇸🇦 SA
Publisher language
AR
Added to Allnira