قالت المخرجة المصرية هالة لطفي إن فيلم «مفيش راجل بيعيط»، الذي شاركت في إنتاجه وقدَّمته ضمن عروض الدورة التاسعة من مهرجان «الجونة السينمائي»، يُعد محاولة جريئة لصنع فيلم خارج الأطر التقليدية، لمخرج لديه صوت خاص، ورغبة في التجريب.
وأكدت، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن توقفها عن الإخراج السينمائي منذ فيلمها الروائي الأول «الخروج للنهار» (2012) لم يكن مقصوداً، موضحة أنها أرادت مساندة صناع أفلام جادين في تقديم مشروعاتهم بميزانيات محدودة، تنطلق من الواقع الذي يعيشونه.
وأشارت إلى اعتزازها بأفلام عدة أنتجتها، من بينها «ليل خارجي»، و«المستعمرة»، مؤكدة أن السينما المستقلة في مصر لا تحظى باهتمام الدولة، أو شركات الإنتاج، رغم أنها تمثل الوجه الحقيقي للسينما المصرية.
تتعامل هالة لطفي مع كل فيلم تنتجه كما لو كان مشروعها الخاص. وعن أحدث أفلامها التسجيلية الطويلة، «مفيش راجل بيعيط»، قالت إن حماسها للمشروع جاء بعد مشاهدتها الفيلم الأول لمخرجه محمد مصطفى، «تشكيل»، الذي كشف لها عن مخرج لديه مشروع فني، وصوت خاص، وشغف بالتجريب، والمغامرة. وأضافت أن الفيلم أثار نقاشاً بعد عرضه في المهرجان، ورأت أن «جوهر السينما أن تثير تساؤلات».
كان من المتوقع أن يدفع نجاح فيلمها الروائي الأول «الخروج للنهار» إلى الإسراع في تقديم أفلام أخرى، لا سيما بعد فوزه بجوائز عدة، من بينها جائزة أفضل مخرج من العالم العربي في مهرجان «أبوظبي السينمائي»، واختياره ضمن قائمة «أفضل مائة فيلم عربي» في مهرجان «دبي السينمائي».
لكن هالة لطفي اتجهت إلى إنتاج أفلام لمخرجين آخرين في تجاربهم الأولى، وأسست شركة إنتاج صغيرة باسم «حصالة». وتقول إن توقفها عن مواصلة العمل مخرجة لم يكن مقصوداً، فقد وجدت أن بإمكانها نقل خبرتها إلى زملاء تثق في جدية مشروعاتهم، ولا تتاح لهم فرص اختراق السوق التجارية، أو العمل وفق شروطها. وتوضح: «معظم جيلنا كان يعاني من البطالة، وكنت أشعر بأنني مدينة لزملاء ساعدوني على خروج فيلمي الأول. وهم صناع أفلام لا يتعاملون مع الأفلام كوسيلة للتسلية، بل بوصفها أعمالاً فنية تتأمل الواقع، والمجتمع. لذا شعرت بأنه دور لو قمنا به جميعاً معاً نستطيع أن نغير الواقع السينمائي».
وتلفت هالة لطفي إلى أن فكرة «حصالة» قامت على جمع الموارد المحدودة المتاحة لإنتاج أفلام بفرق عمل صغيرة، وميزانيات محدودة، تتناول قصصاً واقعية مستمدة من الحكايات التي يعايشها صناعها. وهي أفلام تستحضر موجة الواقعية الجديدة التي فرضت نفسها خلال ثمانينات القرن الماضي، مع فارق أن مخرجي تلك الموجة استعانوا بنجوم كبار وافقوا على المشاركة في أفلام لا تنتمي إلى نوع سينمائي تقليدي، وهو ما لم يكن متاحاً لجيلها. وتضيف أن فكرة إنتاج أفلام جادة يُساء فهمها الآن، إذ يصفها البعض بأنها «أفلام مملة»، وهو ما تراه غير صحيح، مؤكدة أن لكل فيلم جمهوره.
وتؤكد أن مساعدة زملائها تصب في مصلحتها الشخصية أيضاً، وتسهم في خلق مناخ سينمائي صحي، وإنتاج أفلام متنوعة، لكن مشكلة التوزيع لا تزال قائمة، إذ لا تحظى هذه الأفلام بالاهتمام الكافي. وتقول: «لا ألوم موزعاً يبحث عن مكسب، لكن هذه الأفلام كان من الممكن أن يشتريها التلفزيون. وأتمنى أن تكون هناك تفرقة بين الفيلم قليل التكلفة والفيلم التجاري الذي تتجاوز ميزانيته 50 مليون جنيه، ولا يستطيع إنتاجه سوى كيانات احتكارية».
ومضت هالة لطفي نحو 15 عاماً في عالم الإنتاج من دون أن تقدم فيلماً من إخراجها، وتقول: «كان لديّ مشروع جاهز لتصويره في 2016، لكن أغلب مشاهده كان سيُصوَّر في الشارع، ولم تكن اللحظة مناسبة لذلك. ولديّ أيضاً مشروعات وحكايات عديدة، وأفلام تسجيلية، لكنني لست حزينة لتأخري وقتاً طويلاً، ولا أتعامل مع السينما بوصفها سباقاً. ويسعدني أن تظهر أفلام تحمل اسمي بصفتي منتجةً، لأن المنتج صانع أفلام أيضاً، وأسعد كثيراً إذا كنت قد ساهمت في صعود أصوات سينمائية جديدة».
وتعتز هالة لطفي بأفلام عديدة أنتجتها، أو شاركت في إنتاجها، من بينها «المستعمرة»، الذي تصفه بأنه أول فيلم مصري يُعرض ضمن مسابقة العمل الأول في مهرجان «برلين السينمائي». كما تشير إلى تجربتها بوصفها أول منتجة مصرية لفيلم أوروبي، هو الفيلم التسجيلي الطويل «نور على نور» للمخرج الدنماركي كريستيان صور. ومن بين تجاربها أيضاً تعاونها مع المخرجة عشتار ياسين غوتيريز، ذات الأصول العراقية، والتشيلية، في إنتاج فيلمها «بلدي الضائع»، وفيلمها «الحياة هناك»، الذي صُوّر بالكامل في مصر. وتعتز كذلك بفيلم «مفيش راجل بيعيط»، وترى أن هذه الأفلام ستعيش طويلاً.
وتشكو هالة من القوانين التي تعرقل السينما المستقلة، قائلة: «منذ عام 2007 ونحن نتحدث عن القوانين المنظمة للسينما، وهي قوانين جائرة تشجع الاحتكار، وتكافئه، فضلاً عن مشكلات الرقابة، ودورها، وعدم دعم الدولة لصناع الأفلام الراغبين في تقديم أعمال جادة. فلا توجد دولة تبني سينماها على نموذج واحد من الأفلام المستعارة من السينما الأميركية، بحيث يقتصر إنتاجنا على أفلام التسلية فقط». وتتابع: «تغيرت القوانين، وصارت أكثر توحشاً، وتغوّل الاحتكار، وفُرضت قيود أكبر بكثير على صناع الأفلام الذين يقدمون أعمالهم بميزانيات محدودة».
وترى لطفي أن طموحات السينما المستقلة كانت أكبر بكثير مما حققته منذ انطلاقتها عام 2007 مع فيلم «عين شمس» لإبراهيم البطوط، لكنها تشير إلى أن مجمل إنتاجها لن يتجاوز 15 فيلماً. وتقول: «حاولنا تقديم أفلام جادة دون مساعدة من أحد، لا من المنتجين، ولا من الدولة، أفلام تنطوي على طموح كبير للتعبير عن المجتمع. وقد تعددت الشركات المستقلة، وليس أمامنا سوى الاستمرار، وعدم الاستسلام لشروط السوق». وتكشف أنها ستبدأ تصوير فيلمها المقبل في عام 2027، لتعود به إلى صفوف المخرجين.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · محمد الكفراوي
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira