شهد الأسبوع الماضي موجة عارمة من الغضب والانتقادات الحادة بين جماهير مانشستر يونايتد. ففي ملعب أولد ترافورد، الأحد، تعرضت عائلة غليزر والسير جيم راتكليف لهجوم متواصل من الجماهير الغاضبة في مدرج «ستريتفورد إند»، التي طالبتهما بأن «تبيعا النادي وترحلا إلى دياركما»، مستخدمة ألفاظاً نابية. وكان ذلك أحد الهتافات الأقل حدة بين ما رددته الجماهير ضد المالكين المشاركين للنادي.
ومن المحتمل أن تتكرر المشاهد نفسها أمام تشيلسي على ملعب ستامفورد بريدج، السبت، عندما يسعى مايكل كاريك، الذي لا يزال مدرباً للفريق حتى الآن، إلى تحقيق الانتصار الثاني فقط لمانشستر يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز، خلال موسم بالغ الصعوبة.
وبعدما علّقت جماهير يونايتد آمالها في البداية على أن يتمكن راتكليف من تصحيح أخطاء حقبة عائلة غليزر في أولد ترافورد، بات كثيرون منها اليوم لا يرون فرقاً كبيراً بين الملياردير البريطاني الصريح في تصريحاته، والمنحدر من منطقة فيلزورث، والملاك الأميركيين الصامتين المقيمين في فلوريدا.
لكن الحقيقة أن أياً من الطرفين لن يرحل في المستقبل القريب، وبالنسبة إلى الجماهير التي تبحث بيأس عن اتجاه واضح للنادي، وعن أي مؤشرات تكشف الشكل المحتمل لملكيته مستقبلاً، بعد أسبوعين مضطربين، فإن التفاصيل الدقيقة في الحسابات المالية المنشورة حديثاً، والمتعلقة بإعادة تمويل الديون التاريخية خلال الصيف، تقدم بعض الإشارات المثيرة للاهتمام.
تكشف الحسابات المالية للموسم الماضي، في ظاهرها، قصة مألوفة؛ نادٍ لا يزال يرزح تحت عبء ديون ثقيلة نشأت نتيجة استحواذ عائلة غليزر الممول بالاقتراض قبل أكثر من عقدين.
ورغم الإجراءات الصارمة وغير الشعبية، لكنها الضرورية، التي اتخذها راتكليف لتخفيض التكاليف التشغيلية، سجل مانشستر يونايتد خسائر للعام السابع على التوالي، فيما استهلكت فوائد القروض القديمة وحدها ما يقارب 39 مليون جنيه إسترليني.
لكن التعمق في التفاصيل يكشف صورة مختلفة.
فشروط القروض الجديدة للنادي، البالغة 550 مليون دولار (411 مليون جنيه إسترليني)، التي جاءت عقب اتفاق إعادة التمويل في يونيو (حزيران)، تقدم أوضح مؤشر حتى الآن على التوقيت الذي قد تبدأ فيه شركة «إينيوس»، التابعة لراتكليف، التحرك للحصول على حصة الأغلبية من عائلة غليزر. كما تكشف كيف يمكن أن يفتح هذا التحرك الباب أمام تمويل ملعب جديد بسعة 100 ألف متفرج.
إمكانية تسوية ديون غليزر بالتزامن مع تمويل الملعب الجديد
على أقل تقدير، توضح شروط القروض الجديدة الموعد الذي ستصبح فيه إعادة تمويل ديون النادي الحالية أكثر سهولة، وعندما تكون أرباحه التشغيلية قوية بما يكفي لتحمل مستويات أعلى بكثير من الاقتراض.
كما توضح كيف يمكن أن يتحول مشروع الملعب الجديد إلى أداة لإعادة تشكيل هيكل ملكية النادي نفسه. والأهم أن شروط هذه القروض، المعروفة باسم «السندات الممتازة المضمونة»، تتضمن مفهومين جديدين.
المفهوم الأول هو «مجموعة الملعب الجديد»، وهي في الأساس شركة منفصلة يؤسسها مانشستر يونايتد لامتلاك الملعب المقترح وإدارته، إلى جانب الأراضي المرتبطة به. والهدف من ذلك هو إبقاء الملعب والأراضي منفصلين قانونياً عن الأصول الرئيسية للنادي، التي يستطيع المقرضون المطالبة بحقوقهم فيها.
لكن هذه الحماية قد تتغير بموجب اتفاق القرض بمجرد أن يعتمد مانشستر يونايتد الملعب الجديد رسمياً بوصفه ملعبه الرئيسي.
أما المفهوم الثاني فهو ما يسمى «حدث الملعب»، ويقصد به الأموال التي يجمعها النادي خصيصاً لتمويل بناء ملعب جديد أو إعادة تطوير أولد ترافورد، سواء من خلال الاقتراض أو ضخ رؤوس أموال من المستثمرين.
ما أهمية ذلك؟
تنص شروط القروض على أن وقوع «حدث الملعب» يتيح للنادي خيار سداد السندات البالغة قيمتها 550 مليون دولار بالقيمة الاسمية، من دون تحمل غرامة السداد المبكر.
لكن هذا الخيار لا يصبح متاحاً إلا اعتباراً من 10 يونيو 2029. وهناك أيضاً قرض منفصل مضمون لأجل محدد، تبلغ قيمته 225 مليون دولار (168 مليون جنيه إسترليني)، يمكن سداده في أي وقت.
غير أن هذه البنود تعمل معاً بطريقة تشجع على تسوية جميع الديون المرتبطة باستحواذ عائلة غليزر الممول بالاقتراض، بالتزامن مع تمويل الملعب، اعتباراً من يونيو 2029 أو بعده.
وبالنظر إلى أن تسهيلات الائتمان المتجددة لدى مانشستر يونايتد، التي يستخدمها النادي لإدارة تدفقاته النقدية، ويبلغ المسحوب منها حالياً 200 مليون جنيه إسترليني، ستنتهي في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2029، فإن النصف الثاني من ذلك العام يبدو توقيتاً طبيعياً لإعادة ترتيب الوضع المالي بالكامل.
ويقول جيمي باجوا، المحلل السابق لأبحاث الأسهم في «غولدمان ساكس»، ومؤسس شركة «إس بي جي» للاستشارات المالية الرياضية، إن النصف الثاني من 2029 يمثل «نافذة طبيعية لسداد ديون الاستحواذ الممول بالاقتراض أو التخلص منها، وإعادة تمويل تسهيلات الائتمان المتجددة ضمن عملية تمويل مشروع الملعب».
ويكتب باجوا في الشؤون المالية لكرة القدم لمجلة مشجعي مانشستر يونايتد «يونايتد وي ستاند»، كما يصدر نشرة تحليلية متخصصة في الأوضاع المالية للأندية.
وتفرض القيود المرتبطة بديون الاستحواذ الحالية سقفاً فعلياً لحجم الديون الإضافية التي يستطيع مانشستر يونايتد الحصول عليها، علماً بأن إجمالي قروض النادي يبلغ حالياً 689 مليون جنيه إسترليني.
ويقدر باجوا الحد الأقصى للاقتراض الإضافي المتاح للنادي في الظروف الحالية بنحو 295 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ لا يقترب من المستوى المطلوب لتمويل مشروع ملعب جديد، تتراوح تكلفته التقديرية بين مليارين وثلاثة مليارات جنيه إسترليني.
لكن بعد يونيو (حزيران) 2029، قد يتمتع مانشستر يونايتد، من الناحية النظرية، بمرونة أكبر بكثير في الاقتراض. ويشير باجوا إلى أن القدرة التمويلية الإضافية قد تصل إلى 1.6 مليار جنيه إسترليني، إذا أزيلت الديون الحالية من ميزانية النادي، وارتفعت نسبة الرفع المالي إلى خمسة أضعاف الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، وهو مؤشر يستخدم بصورة تقريبية لقياس الأرباح التشغيلية النقدية.
ومن شأن الملعب الجديد نفسه أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في هذا المؤشر، وأن يحدث تحولاً جذرياً في الوضع المالي لمانشستر يونايتد على المدى الطويل.
وبطبيعة الحال، فإن راتكليف وشركة «إينيوس»، اللذين يمتلكان حصة تبلغ 28.94 في المائة من النادي، لن يفكرا في سداد الديون التي تسببت فيها عائلة غليزر أو إعادة تمويلها، ما لم يكن ذلك مجدياً من الناحية المالية.
ومن الصعب تقديم مبرر اقتصادي مقنع لمثل هذه الخطوة من دون امتلاك حصة الأغلبية في النادي.
هل يستطيع راتكليف تنفيذ ذلك؟
هناك الكثير من الاحتمالات المشروطة، مثلما توجد أسئلة عديدة ومجهولات كبيرة. فهل يمكن إقناع عائلة غليزر ببيع حصتها المسيطرة في مانشستر يونايتد؟وحتى إذا وافقت على البيع، فإن سؤالاً آخر يبرز بشأن الجهة التي ستوفر الأموال اللازمة لتمويل الصفقة.
ثم هناك مسألة أخرى: هل سيتمكن مانشستر يونايتد من تحسين وضعه المالي بصورة ملموسة بحلول عام 2029، وبناء قاعدة حقيقية يستطيع الانطلاق منها نحو المستقبل؟ تُعد المشاركة المنتظمة في دوري أبطال أوروبا عاملاً حاسماً لتحقيق ذلك. لكن مانشستر يونايتد، في الوقت الراهن، يجد نفسه أقرب إلى صراع الهبوط منه إلى المنافسة على المراكز الخمسة الأولى، بينما يواجه مدرب آخر ضغوطاً هائلة ويقاتل للاحتفاظ بمنصبه.
ثم ماذا عن شركة «إينيوس» نفسها؟
لطالما أظهرت شركة البتروكيماويات العملاقة استعداداً لتحمل مستويات مرتفعة من الديون. لكنها تواجه حالياً ضغوطاً مالية كبيرة، مع تجاوز صافي ديونها عشرة مليارات جنيه إسترليني، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة الأوروبية، والضرائب المرتفعة في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وما انتقده راتكليف باعتباره لوائح مفرطة تتعلق بانبعاثات الكربون. فهل ستكون الشركة في وضع يسمح لها بتحمل ديون إضافية مرتبطة بمانشستر يونايتد، بافتراض أن راتكليف وشركاءه مستعدون أصلاً لاتخاذ مثل هذه الخطوة؟قد يأمل بعض المشجعين في وجود مشترٍ آخر يمتلك موارد مالية ضخمة، وينتظر الفرصة للاستحواذ على أحد أشهر الأندية الرياضية الإنجليزية.
لكن لا توجد حتى الآن أي مؤشرات تدعم وجود مثل هذا المشتري.
ومع ذلك، أصبح من الممكن، للمرة الأولى، رسم مسار أكثر وضوحاً وواقعية لتغيير هيكل الملكية وبناء ملعب جديد، حتى وإن كانت التكاليف المرتبطة بالمشروع ستتطلب على الأرجح استثمارات رأسمالية من شركاء استراتيجيين خارجيين، وسط استمرار قدر كبير من الغموض. ويبدو بالتأكيد أن راتكليف يمتلك الرغبة في المضي قدماً.
فعلى سبيل المثال، اقترض مانشستر يونايتد مبالغ إضافية ضمن عملية إعادة التمويل التي أجراها خلال الصيف، لتوفير القدرة المالية اللازمة لشراء أراضٍ مجاورة لملعب أولد ترافورد، تبلغ قيمتها 63.5 مليون جنيه إسترليني، وهي أراضٍ يحتاج إليها النادي لتنفيذ مشروع الملعب الجديد. وهناك جماهير كانت تفضل إنفاق هذه الأموال على التعاقد مع ظهير أيسر خلال الصيف.
كما كان من المستحيل تجاهل مشاعر المحتجين خلال ديربي مانشستر الشهر الماضي، وكذلك جماهير مدرج ستريتفورد إند خلال مواجهة بورنموث يوم الأحد.
ففي المناسبتين، ردد المشجعون هتافات غاضبة ضد مشروع الملعب الجديد، تضمنت عبارات بذيئة تطالب الملاك بالاحتفاظ بملعبهم الجديد لأنفسهم، مع استخدام تعبير مهين للغاية.
لكن سواء كانت الجماهير تفضل بناء ملعب جديد أو إعادة تطوير أولد ترافورد، فإن قضية الملعب لا يمكن تجاهلها أو نسيانها لمجرد أن مانشستر يونايتد وجد نفسه مجدداً غارقاً في أزمة.
لقد تعرضت عائلة غليزر لانتقادات مستمرة على مدى سنوات بسبب إهمال أولد ترافورد، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، وهو إهمال كلف النادي ثمناً باهظاً.
ولذلك فإن التحركات الرامية إلى معالجة عقود من التقاعس في هذا الملف ليست ضرورية فحسب، بل تأخرت كثيراً.
ولا ينبغي السماح بأن تضيع هذه الجهود أو تُهمّش وسط غضب الجماهير والانشغال بالحلول قصيرة الأجل.
ويقول باجوا: «أصبح الطريق نحو أولد ترافورد الجديد أكثر ارتباطاً بالقوة المالية لشركة إينيوس».
ويضيف: «إن شروط سندات القروض تسمح لشركة إينيوس بالحصول على حصة الأغلبية في مانشستر يونايتد. وبعد ذلك، تستطيع إينيوس إعادة تمويل ديون الاستحواذ الممول بالاقتراض، وإدراجها في دفاترها المالية الخاصة بدلاً من إبقائها في دفاتر النادي».
ويختتم قائلاً: «إذا حدث ذلك، فسيوفر للنادي مرونة أكبر بكثير في الطريقة التي يمول بها بناء ملعب جديد».
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira