جدَّدت محافظة القاهرة دعوتها للمواطنين للمشاركة في تشجير العاصمة، وسط جدل بشأن إزالة الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في الشوارع المصرية، وانتقادات للأجهزة المحلية بسبب قطع أشجار معمّرة خلال أعمال تطوير الطرق، وتساؤلات عن مدى قدرة المبادرات الجديدة على تعويض ما فقدته المدن من غطاء أخضر.
ودعت المحافظة، في بيان صدر الاثنين، المواطنين والشركات والبنوك والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني إلى المشاركة في جهود التشجير، مؤكدة أنها «مسؤولية مشتركة بين الأجهزة التنفيذية والمواطنين». كما أعلنت توفير أشجار من مشاتل هيئة نظافة وتجميل القاهرة بأسعار مخفَّضة تصل نسبة التخفيض فيها إلى 60 في المائة، وشجَّعت المواطنين على زراعتها أمام المنازل والمحلات التجارية.
وتشمل المبادرة تحديد مسافات تتراوح بين 4 و5 أمتار بين الأشجار، مع اختيار أنواع توفر ظلالاً واسعة ولا تستهلك كميات كبيرة من المياه، من بينها البونسيانا، واللبخ، والجاكراندا. كما تتضمن التوجه إلى استغلال بعض الأراضي والمساحات غير المستخدمة لإنشاء حدائق ومتنزهات.
وتأتي دعوة محافظة القاهرة بعد أيام من طرح أزمة قطع الأشجار خلال فعاليات «منتدى مصر 2026»، الذي شهد توصيات بالإسراع في إدخال تعديلات على قانون البيئة، بما يتضمن تجريم قطع الأشجار بصورة عشوائية أو من دون ضوابط، إلى جانب وضع استراتيجية تنموية تستهدف مضاعفة الغطاء النباتي في المحافظات المصرية.
وكانت وزيرة التنمية المحلية والبيئة، منال عوض، قد أعلنت خلال مشاركتها في المنتدى زراعة 12 مليون شجرة ضمن المبادرة الرئاسية للتشجير، فيما أفادت تقارير باستعداد الوزارة لطرح تعديلات تشريعية على قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، بهدف سد الثغرات المتعلقة بمواجهة عمليات قطع الأشجار.
وأثار بيان محافظة القاهرة تساؤلات لدى متابعين وناشطين بيئيين بشأن الضمانات اللازمة لحماية الأشجار المزروعة، والحيلولة دون إزالتها لاحقاً خلال تنفيذ مشروعات التطوير.
ووجَّه متابعون انتقادات حادة إلى مسؤولي المحليات، محمِّلين إياهم مسؤولية قطع الأشجار في الحدائق والجزر الخضراء على الطرق والشوارع خلال تنفيذ مشروعات التطوير، فضلاً عن إقامة الأكشاك والمطاعم في مساحات عامة كانت مخصصة للمناطق الخضراء.
وأثار قطع الأشجار المعمّرة في شارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين في الجيزة، خلال الفترة الأخيرة، جدلاً واسعاً وانتقادات حادة، ما دفع مسؤولين إلى إعادة تشجير الشارع والتشديد على عدم قطع الأشجار مجدداً، مع تكثيف أعمال التشجير لتعويض الأشجار التي أُزيلت.
وانتقدت الناشطة البيئية المصرية مريم حامد غياب الضمانات الكفيلة بحماية الأشجار التي يزرعها المواطنون، معتبرة أن دعوة محافظة القاهرة إلى المشاركة في التشجير، رغم إيجابيتها، لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في إزالة الأشجار القائمة.
وقالت الناشطة البيئية لـ«الشرق الأوسط» إن «تجارب سابقة شهدت إزالة أشجار زرعها مواطنون ومتطوعون خلال أعمال صيانة الطرق وتطوير الشوارع»، متسائلة عن الضمانات التي تحول دون تكرار ذلك في إطار المبادرة الجديدة.
وأضافت أن «تشجيع المواطنين وأصحاب المحلات على التشجير يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة تضمن استدامة هذه الجهود»، مشيرة إلى أن المبادرة لا تعفي الجهات الحكومية من مسؤوليتها عن إزالة الأشجار المعمّرة.
ولفتت الناشطة البيئية إلى استمرار تضارب الاختصاصات بين المحافظات والأحياء وهيئات النظافة والتجميل والجهات المسؤولة عن الطرق، ما يصعّب على الناشطين البيئيين تحديد الجهة المسؤولة عن إزالة الأشجار أو مخاطبتها. ورأت أن ملف حماية الأشجار لا يزال يفتقر إلى وضوح المسؤوليات والضمانات الفعلية للحفاظ على الغطاء الأخضر.
من جانبه، حذّر الناشط البيئي المصري أحمد فتحي من أن دعوة المواطنين إلى زراعة الأشجار أمام منازلهم ومحلاتهم، من دون ضوابط واضحة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تشجيع المواطنين على التشجير خطوة إيجابية، لكن ترك عملية الزراعة من دون تنظيم قد يؤدي إلى الفوضى، وربما يتسبب في مشكلات بيئية أكبر».
وأضاف أنه «من الضروري تحديد أنواع الأشجار التي يمكن للمواطنين زراعتها وفقاً لكود الزراعة المعتمد لدى وزارة التنمية المحلية والبيئة، مع وضع آلية واضحة للري والمتابعة، حتى لا نزرع أشجاراً اليوم ثم تموت غداً».
ولفت فتحي إلى «ضرورة الاستعانة بجهاز شؤون البيئة لتقديم المشورة بشأن اختيار أنواع الأشجار الأكثر ملاءمة للبيئة المحلية، مع مراعاة البصمة الكربونية»، موضحاً أن «الأهداف النبيلة للمبادرات المجتمعية قد تتحوَّل إلى مشكلات أكبر في غياب التنظيم».
وأكد أن المجتمع المدني يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تنظيم جهود التشجير، والقيام بدور الوسيط بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، فضلاً عن متابعة تنفيذ المبادرة لضمان استدامتها وتحقيق أهدافها البيئية.
وكانت وزارة التنمية المحلية والبيئة قد وجّهت المحافظات، في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى رصد حالات قطع الأشجار أو اقتلاعها أو إتلافها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، في إطار جهود الحفاظ على الغطاء النباتي.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira