لا توجد وصفة مضمونة للفوز بجائزة «الكرة الذهبية»، رغم أنها أرفع الجوائز الفردية في كرة القدم العالمية، فالتألق داخل الملعب وتسجيل الأهداف وحصد البطولات لا يكفي دائماً لحسم سباق تتداخل فيه عوامل أخرى، تتراوح بين مكانة النادي الذي يمثله اللاعب، والإنجازات الدولية، وصولاً إلى الانحيازات الجغرافية والاختيارات غير المتوقعة للصحافيين المشاركين في التصويت.
وحسب تحليل نشرته منصة «The Athletic»، استند إلى بيانات التصويت منذ عام 2000، فإن سباق «الكرة الذهبية» لعام 2026، الذي يُحسم مساء الاثنين في مسرح «لندن بالاديوم»، يبدو أكثر تعقيداً من نسخ سابقة، في ظل غياب مرشح يجمع بصورة واضحة بين جميع المقومات التي اعتاد الفائزون امتلاكها.
وتحدد المادة الرابعة من لائحة الجائزة 3 معايير مرتبة حسب الأهمية، تبدأ بالأداء الفردي والطابع الحاسم والمبهر للاعب، ثم الأداء الجماعي والألقاب المحققة، وأخيراً الرقي الرياضي واللعب النظيف.
غير أن هذه المعايير تترك مساحة واسعة للتقدير الشخصي؛ إذ لا توجد طريقة رقمية دقيقة لقياس مدى إبهار اللاعب أو تأثيره الحاسم، وهو ما يجعل نتائج التصويت عرضة لاختلاف وجهات النظر بين الصحافيين.
وتكشف البيانات التاريخية أن تسجيل الأهداف يمثل أحد أهم مفاتيح الفوز؛ إذ لم يسجل أقل من 20 هدفاً خلال فترة التقييم سوى 4 لاعبين من آخر 25 فائزاً بالجائزة.
وتبرز في هذا السياق الحصيلة الاستثنائية للأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي سجل 91 هدفاً عام 2012، مقابل 3 أهداف فقط للإيطالي فابيو كانافارو عندما توج بالجائزة عام 2006، مستفيداً من قيادته منتخب إيطاليا للفوز بكأس العالم وتألقه الدفاعي.
وأظهر تحليل بيانات التصويت وجود ارتباط إحصائي متوسط، تبلغ نسبته 40 في المائة، بين عدد الأهداف التي يسجلها اللاعب وحجم الدعم الذي يحصل عليه في التصويت، وهو ما يؤكد أهمية التسجيل دون اعتباره العامل الحاسم الوحيد.
وتحظى الأهداف المسجلة في دوري أبطال أوروبا بقيمة أكبر من نظيرتها في المسابقات المحلية؛ إذ يمكن أن تكون حصيلة من 10 أهداف أو أكثر في البطولة القارية أكثر تأثيراً في الناخبين من تسجيل 20 هدفاً في الدوري المحلي.
ومن هذا المنطلق، فإن فوز الإسباني لامين يامال بالجائزة هذا العام سيشكل حالة غير مألوفة نسبياً بين المهاجمين، بعدما سجل 6 أهداف في دوري أبطال أوروبا موسم 2025-2026.
ومن بين 10 مهاجمين فازوا بالجائزة خلال آخر 12 نسخة، لم يسجل في البطولة الأوروبية عدداً أقل سوى ميسي، الذي أحرز 4 أهداف مع باريس سان جيرمان قبل تتويجه بـ«الكرة الذهبية» عام 2023.
ولا تقل الألقاب الجماعية أهمية عن الأهداف؛ إذ تُظهر السجلات أن غالبية الفائزين بـ«الكرة الذهبية» حققوا بطولة كبرى واحدة على الأقل خلال موسم التقييم، سواء الدوري المحلي أو دوري أبطال أوروبا أو بطولة دولية بارزة.
ومع ذلك، فإن الفوز بالدوري المحلي وحده نادراً ما يكون كافياً، في ظل الوزن الأكبر الذي تحظى به الإنجازات الأوروبية والدولية.
وخلال آخر 11 نسخة، كان تتويج ميسي عام 2019 الحالة الوحيدة التي استندت إلى النجاح المحلي فقط، بعدما فاز بالدوري الإسباني مع برشلونة دون تحقيق لقب أوروبي أو دولي آخر.
وسيكون الإنجليزي هاري كين استثناءً آخر إذا تُوج بالجائزة هذا العام، بعدما اكتفى بالفوز بالدوري الألماني وكأس ألمانيا مع بايرن ميونيخ، رغم غزارته التهديفية، وخروجه من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا وكأس العالم.
ومن بين المرشحين الثلاثين للجائزة هذا العام، حقق 22 لاعباً نجاحات جماعية على مستوى البطولات المحلية أو الأوروبية أو الدولية، ما يجعل الألقاب عاملاً مهماً للوصول إلى قائمة المرشحين، دون أن تكون كافية بالضرورة للفوز.
وتكشف الأرقام أيضاً عن العلاقة القوية بين التألق في دوري أبطال أوروبا والتتويج بـ«الكرة الذهبية»؛ إذ نجح 9 من آخر 13 لاعباً جمعوا بين الفوز بالبطولة الأوروبية وصدارة هدافيها في حصد الجائزة الفردية.
وكان الإسباني راؤول الاستثناء الأبرز من حيث الترتيب المتأخر، بعدما حل تاسعاً في تصويت عام 2000.
وتزداد أهمية الجوائز الفردية المرتبطة بالبطولات الكبرى؛ خصوصاً بالنسبة إلى لاعبي خط الوسط الذين لا يمتلكون عادة أرقاماً تهديفية تضاهي المهاجمين.
ولم يفز بـ«الكرة الذهبية» خلال السنوات العشرين الماضية من لاعبي الوسط المركزي سوى الكرواتي لوكا مودريتش والإسباني رودري، بعدما عزز كلاهما حظوظه بتألق دولي لافت.
وحصل مودريتش على جائزة أفضل لاعب في كأس العالم 2018، بينما نال رودري الجائزة نفسها في كأس أوروبا 2024.
ويعود رودري إلى دائرة المرشحين هذا العام بعدما حصل على جائزة أفضل لاعب في كأس العالم 2026، وهو إنجاز يمنحه سنداً تاريخياً، رغم أنه لا يعد من أبرز المرشحين للفوز.
كما أصبحت جائزة أفضل لاعب في موسم دوري أبطال أوروبا، التي استُحدثت موسم 2021-2022، مؤشراً مهماً على هوية الفائز بـ«الكرة الذهبية»؛ إذ كان البرازيلي فينيسيوس جونيور الوحيد بين الفائزين بها الذي لم يتوَّج لاحقاً بالجائزة العالمية.
وفي النسخة الحالية، حصل الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا، جناح باريس سان جيرمان، على جائزة أفضل لاعب في دوري الأبطال، رغم أن حظوظه في سباق «الكرة الذهبية» تبدو محدودة، بعدما تعرض لإصابة خطيرة في الرباط الصليبي خلال مواجهة برشلونة الثلاثاء الماضي.
ولا تقتصر عوامل التأثير على ما يقدمه اللاعب داخل الملعب؛ إذ تلعب مكانة النادي دوراً واضحاً في جذب أصوات الصحافيين.
وتشير بيانات التصويت منذ عام 2000 إلى أن ريال مدريد وبرشلونة استحوذا معاً على نحو نصف إجمالي الأصوات، مستفيدين من مكانتهما العالمية والتنافس التاريخي بين الأرجنتيني ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو.
ويعكس هذا التفاوت أفضلية يحصل عليها اللاعبون الذين يمثلون الأندية الأكثر حضوراً إعلامياً، مقارنة بنجوم قد يقدمون مستويات استثنائية مع فرق أقل شهرة.
وتبرز كذلك التأثيرات الجغرافية في أنماط التصويت؛ إذ يميل بعض الصحافيين إلى دعم لاعبين ينتمون إلى بلدان مجاورة أو إلى القارة نفسها.
وكان السنغالي ساديو ماني مثالاً واضحاً عام 2019، عندما احتل المركز الرابع في التصويت الذي تُوج فيه ميسي بجائزته السادسة، بعدما جاء نحو نصف الأصوات التي حصل عليها من دول أفريقية، رغم أن القارة لم تكن تمثل سوى نحو ربع إجمالي المشاركين في التصويت.
وشهد تاريخ الجائزة اختيارات فردية مثيرة للجدل؛ خصوصاً قبل عام 2022، عندما كان التصويت متاحاً لصحافيين من معظم دول العالم، قبل قصر المشاركة على ممثلي الدول الموجودة ضمن أول مائة مركز في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ومن أبرز الأمثلة اختيار صحافي من سريلانكا الإنجليزي ترينت ألكسندر أرنولد أفضل لاعب في العالم عام 2019، في تصويت ابتعد بصورة لافتة عن الترتيب النهائي للجائزة.
وتزداد صعوبة التنبؤ بنتيجة نسخة 2026 في ظل افتقاد أبرز المرشحين إلى سجل يجمع بين التفوق التهديفي والبطولات القارية والدولية الكبرى.
ويتصدر كين ترشيحات شركات المراهنات، مستفيداً من أرقامه التهديفية الاستثنائية، رغم اقتصار ألقابه على البطولات الألمانية المحلية.
ويأتي خلفه يامال، الذي تُوج مع إسبانيا بكأس العالم في يوليو (تموز) الماضي، ولكنه لم يقدم خلال البطولة المستوى الفردي المعتاد منه، ما يضع إنجازه الجماعي في مواجهة التفوق التهديفي لمنافسه الإنجليزي.
ويزيد انتماء المرشحين الأبرز إلى القارة الأوروبية احتمال تشتت الدعم الجغرافي بينهما، في سباق لا تحكمه معادلة ثابتة.
وفي المحصلة، تؤكد بيانات ربع قرن من التصويت أن «الكرة الذهبية» لا تذهب بالضرورة إلى اللاعب الأكثر تسجيلاً أو الأكثر تتويجاً أو صاحب الأداء الفردي الأفضل؛ بل إلى من ينجح في الجمع بين مجموعة من العوامل المتداخلة، تتقدمها الأهداف الحاسمة والبطولات الكبرى والتأثير الفردي والحضور الإعلامي.
ويبقى العامل البشري في تصويت الصحافيين سبباً رئيسياً لاستمرار الجدل؛ إذ يمكن للمعايير نفسها أن تقود إلى اختيارات مختلفة، ما يجعل الجائزة الأكثر شهرة في كرة القدم العالمية واحدة من أكثر الجوائز استعصاءً على التوقع.
Source: Asharq Al-Awsat Arabic · «الشرق الأوسط»
At a glance
- Topic
- World
- Country
- 🇸🇦 SA
- Publisher language
- AR
- Added to Allnira